قال خبيران مصرفيان إن توسع المدفوعات الرقمية بمصر خلال السنوات الأخيرة خدم فئة كبيرة من المواطنين، إلا أن فئة كبيرة منهم مثل أصحاب المعاشات يعتمدون بصورة شبه كاملة على سحب مستحقاتهم نقدًا فور إيداعها، وهو ما يحد من الاستفادة الكاملة من أدوات الدفع الإلكتروني ويُبقي الضغط قائمًا على ماكينات الصراف الآلي.
وحسب دراسة حديثة أصدرها المركز المصري للدراسات الاقتصادية بعنوان" من السحب النقدي إلى المدفوعات الرقمية.
هل تستطيع بطاقات المعاشات تسريع التحول إلى اقتصاد أقل اعتمادًا على النقد في مصر؟ "، فإن هذه الفجوة تعكس اختلافًا بين تطور البنية الرقمية من ناحية، واستمرار السلوك النقدي للمستخدمين من ناحية أخرى.
وتشير الدراسة إلى أن عدد المستفيدين من نظام المعاشات، على سبيل المثال، في مصر يبلغ نحو 11.
5 مليون شخص، يحصلون على معاشات شهرية تقدر بنحو 38 مليار جنيه، بمتوسط يقارب 5 آلاف جنيه للفرد شهريًا، ورغم استبدال بطاقات المعاشات التقليدية تدريجيًا ببطاقات" ميزة"، التي تتيح الشراء المباشر وسداد المدفوعات إلكترونيًا، فإن الاستخدام الغالب لهذه البطاقات لا يزال يقتصر على سحب الأموال نقدًا، رغم إصدار ما يقرب من 6 ملايين بطاقة" ميزة" لأصحاب المعاشات.
وقد ارتفع معدل الشمول المالي إلى 77.
6% بنهاية 2025، مقارنة بـ27.
4% في 2016، مع انضمام نحو 37 مليون مواطن إلى المنظومة المالية الرسمية.
كما تجاوز عدد مستخدمي تطبيق أنستباي حاجز 16 مليون مستخدم في 2025، منفّذين أكثر من 1.
1 مليار معاملة بقيمة إجمالية بلغت 2.
4 تريليون جنيه، حسب بيانات البنك المركزي المصري.
كما ارتفع عدد المحافظ الإلكترونية النشطة إلى 60 مليون محفظة بنهاية 2025، مقابل 15.
2 مليون محفظة في 2019، حسب" المركزي المصري"، بينما وصل عدد أجهزة نقاط البيع الإلكترونية (POS) إلى نحو 1.
35 مليون جهاز، وبلغ عدد ماكينات الصراف الآلي 26160 ماكينة على مستوى الجمهورية.
فجوة بين الإمكانات والاستخدامويقول ناصر حسن الخبير المصرفي، إن استمرار السحب النقدي رغم إصدار ملايين البطاقات يرجع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الثقافة النقدية المتجذرة لدى شريحة كبيرة من المواطنين، حيث لا يزال التعامل بالكاش يُنظر إليه باعتباره الأسهل والأكثر أمانًا، إلى جانب ضعف ثقافة الدفع غير النقدي لدى أطراف التعاملات.
ويضيف لـ" مصراوي" أن كثيرًا من المواطنين يستخدمون البطاقات كوسيلة لسحب الرواتب أو المعاشات فقط، وليس كأداة للدفع المباشر، وهو ما يفسر ارتفاع عمليات السحب مقارنة بعمليات الشراء.
كما يلفت إلى أن اتساع الاقتصاد غير الرسمي، واعتماد نسبة كبيرة من الأنشطة التجارية على التعاملات النقدية، بجانب رفض بعض التجار قبول المدفوعات الإلكترونية أو تفضيلهم النقد لتجنب بعض التكاليف أو لأسباب تتعلق بإدارة الإيرادات، كلها عوامل تعزز استمرار الاعتماد على الكاش، فضلًا عن تفاوت مستويات الثقافة المالية والرقمية بين فئات المجتمع.
من جهتها، تقول الدكتورة شيماء وجيه الخبيرة الاقتصادية والمصرفية وأستاذ الاقتصاد بالكلية البحرية، إن مصر تشهد خلال السنوات الأخيرة تطورًا كبيرًا في البنية التحتية الرقمية، من خلال التوسع في شبكات الإنترنت، وزيادة انتشار الهواتف الذكية، وتطوير أنظمة الدفع الإلكتروني، وإطلاق منظومة الدفع الوطنية" ميزة"، بجانب التوسع في المحافظ الإلكترونية وخدمات الإنترنت البنكي.
وتضيف لـ" مصراوي" أن استثمارات الدولة والبنك المركزي تسهم في رفع كفاءة منظومة المدفوعات الرقمية وربط الجهات الحكومية بها، بما يجعل البنية التحتية قادرة على استيعاب حجم متزايد من المعاملات الإلكترونية.
وتشير، في الوقت نفسه، إلى الحاجة إلى مواصلة تحسين جودة الخدمات في بعض المناطق، وتعزيز الوعي الرقمي لدى بعض الفئات، بما يضمن استفادة جميع المواطنين من هذه الخدمات بالكفاءة نفسها.
وتوضح أن نمو استخدام البطاقات الإلكترونية لا يلغي استمرار عدد من التحديات التي تحد من انتشارها، في مقدمتها تفضيل بعض المواطنين التعامل النقدي باعتباره أكثر سهولة، بجانب رفض بعض التجار قبول المدفوعات الإلكترونية لتجنب الرسوم أو لإجراء معاملات خارج الاقتصاد الرسمي، فضلًا عن محدودية انتشار أجهزة نقاط البيع في بعض المناطق، واستمرار مخاوف بعض العملاء المتعلقة بالأمان الإلكتروني أو ضعف الوعي باستخدام وسائل الدفع الحديثة.
وترى دراسة المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن الاستخدام الفعلي لبطاقات المعاشات، على سبيل المثال، لا يزال يتركز في السحب النقدي، وهو ما يؤدي إلى استمرار الازدحام أمام ماكينات الصراف الآلي، خاصة خلال أيام صرف المعاشات والإجازات الرسمية.
وتلفت الدراسة إلى ظهور ممارسات غير رسمية ببعض المناطق الريفية، تتمثل في قيام وسطاء بجمع بطاقات المعاشات والأرقام السرية من أصحابها لسحب الأموال نيابة عنهم مقابل رسوم، وهو ما يعزز الاعتماد على النقد ويخلق قنوات غير رسمية لتداول الأموال.
وتُرجع الدراسة هذا الوضع إلى ثلاثة عوامل رئيسة، أولها اعتياد أصحاب المعاشات على الاحتفاظ بالنقد باعتباره وسيلة الدفع الأساسية، وثانيها محدودية قبول المدفوعات الإلكترونية لدى عدد من التجار ومقدمي الخدمات، وثالثها ضعف الوعي بإمكانية استخدام بطاقات" ميزة" في الشراء المباشر دون الحاجة إلى السحب النقدي.
التوعية المالية.
قد تكون حلًاوتشير الدكتورة شيماء وجيه إلى أن استمرار برامج التوعية المالية والتوسع في نشر أجهزة نقاط البيع بجانب تقديم حوافز للتجار والمستهلكين، يُعد من أهم العوامل التي تسهم في زيادة الاعتماد على المدفوعات الإلكترونية.
وتلفت إلى أن التوسع في استخدام البطاقات الرقمية يمثل إحدى الأدوات الرئيسة لدعم الاقتصاد الرسمي، إذ يعزّز شفافية المعاملات المالية ويحد من الاقتصاد غير الرسمي ويسهل دمج الأفراد والمنشآت في المنظومة المالية الرسمية.
تقترح دراسة المركز المصري للدراسات الاقتصادية مجموعة من الإجراءات لتشجيع الاستخدام المباشر لبطاقات" ميزة"، على سبيل المثال، بدلًا من السحب النقدي، مثل تقديم حوافز مالية للمستخدمين، مثل برامج الاسترداد النقدي (Cashback)، وخفض تكلفة قبول المدفوعات الإلكترونية لدى صغار التجار بجانب التوسع في قبول بطاقات" ميزة" لدى الصيدليات والمستشفيات ووسائل النقل العام ومحال السوبر ماركت.
كما توصي الدراسة بتشديد الرقابة على التزام التجار بقبول المدفوعات الإلكترونية دون تحميل العملاء رسومًا إضافية مع توفير قنوات لتلقي الشكاوى وتقديم دعم فني لأصحاب المعاشات وإطلاق حملات توعية قبل مواعيد صرف المعاشات للتعريف بمزايا استخدام البطاقات في عمليات الشراء.
ومن جهته، يرى ناصر حسن أن البنية التحتية للمدفوعات الإلكترونية في مصر تشهد تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، من خلال التوسع في نشر أجهزة نقاط البيع (POS) وماكينات الصراف الآلي والمحافظ الإلكترونية ومنظومة الدفع اللحظي ومنظومة" ميزة" إضافة إلى خدمات الإنترنت البنكي والموبايل البنكي.
ويشير إلى أن استمرار نمو المدفوعات الرقمية يتطلب زيادة انتشار نقاط الدفع الإلكتروني لدى صغار التجار ورفع كفاءة شبكات الاتصالات والإنترنت في بعض المناطق ومواصلة الاستثمار في الأمن السيبراني وحماية البيانات، بجانب تحسين تجربة المستخدم وتقليل الأعطال أو الانقطاعات التي قد تؤثر في ثقة العملاء، ويرى أن البنية الحالية تستطيع استيعاب معدلات نمو أكبر، مع استمرار عمليات التطوير والتوسع.
ما العائد على الاقتصاد الوطني؟يوضح ناصر حسن أن أبرز العوائق التي تمنع المواطنين من استخدام البطاقات على نطاق أوسع هو تفضيل بعض التجار التعامل النقدي ومحدودية قبول البطاقات في بعض الأنشطة والأسواق التقليدية بجانب مخاوف بعض العملاء من الاحتيال الإلكتروني أو اختراق البيانات وضعف الوعي بمزايا المدفوعات الرقمية والاعتماد على السحب النقدي فور نزول المرتب أو المعاش، فضلًا عن وجود بعض التصورات الخاطئة بشأن تكلفة استخدام البطاقات وتفاوت مستوى الخدمات الرقمية بين المناطق الحضرية والريفية.
ويذكر أن النقد لا يزال يستحوذ على حصة كبيرة من التعاملات اليومية، رغم التوسع الكبير في إصدار البطاقات البنكية ومنظومة المدفوعات الإلكترونية، نتيجة عوامل ثقافية واقتصادية واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وليس بسبب ضعف البنية التحتية.
ويبين أن مصر تقطع شوطًا كبيرًا في تطوير منظومة المدفوعات الرقمية، إلا أن نجاح التحول الكامل يتطلب تعزيز ثقافة الدفع الإلكتروني وزيادة قبول المدفوعات لدى التجار ومواصلة تطوير البنية التكنولوجية وتعزيز ثقة المواطنين في الخدمات الرقمية وسرعة تسوية معاملات الشراء والبيع.
من ناحيتها، تضيف الدكتورة شيماء وجيه أن الاعتماد المتزايد على المدفوعات الرقمية يعزز كذلك كفاءة تحصيل الضرائب ويخفض تكلفة تداول النقد ويقلل مخاطر التعاملات النقدية، فضلًا عن توفير قاعدة بيانات تساعد صناع القرار على صياغة سياسات اقتصادية أكثر دقة.
وتشير إلى أن زيادة استخدام وسائل الدفع الرقمية على المدى الطويل تدعم الشمول المالي وتجذب المزيد من الاستثمارات وتحسن بيئة الأعمال، بما ينعكس إيجابًا على معدلات النمو الاقتصادي المستدام.
تقول دراسة المركز المصري للدراسات الاقتصادية إن امتلاك بنية تحتية رقمية متطورة لا يعني بالضرورة تغير سلوك المستخدمين، مؤكدة أن نجاح التحول نحو اقتصاد أقل اعتمادًا على النقد يتطلب رفع معدلات الاستخدام الفعلي لأدوات الدفع الإلكتروني، وليس الاكتفاء بإصدار البطاقات أو توفير الخدمات الرقمية.
وتضيف الدراسة أن توسيع استخدام بطاقات المعاشات، على سبيل المثال، في عمليات الشراء اليومية يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط على ماكينات الصراف الآلي، وتحسين تجربة أصحاب المعاشات، ودعم مسار الشمول المالي بصورة أكثر استدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك