تابعتُ بكثير من الاهتمام المداخلة القيمة التي قدمها الزميل الأستاذ محمد لغروس، مدير نشر جريدة العمق المغربي، خلال الجلسة العلمية حول الصحافة الاستقصائية بالرباط.
ومن منطلق تجربتي الصحفية في الديار الأوروبية، وجدت في تحليل الأستاذ لغروس جرأة وموضوعية تفتقر إليها الكثير من النقاشات المهنية، حيث وضع إصبعه على مكامن الخلل التي تجعل الصحافة الاستقصائية في المغرب تعيش حالة من الجزر المقلق رغم الترسانة القانونية المتاحة.
لقد أصاب الأستاذ لغروس كبد الحقيقة حينما تحدث عن المتاهة التشريعية.
فالمغرب يمتلك دستوراً متطوراً وقانوناً للحق في الحصول على المعلومات (31.
13)، لكن العقلية الإدارية لا تزال مسيجة بمنطق السرية.
إن وصفه لرد فعل المسؤول المغربي الذي يستشير رئيسه ليعلم كم الساعة ليس مجرد طرفة، بل هو تشخيص لثقافة الحجب التي تحول دون بناء معرفة عمومية دقيقة، وتدفع الصحفي مكرهًا نحو الرقابة الذاتية تجنباً لتكييف عمله جنائياً.
في تحليل اقتصادي عميق، ربط مدير نشر العمق المغربي بين هشاشة المقاولة الإعلامية وغياب التحقيق المعمق.
ففي زمن صناعة النقرة، يصبح الاستقصاء مجهوداً مكلفاً مالياً وزمنياً، لا يتماشى مع سرعة الاستهلاك الرقمي.
ومع ذلك، أعجبتني لغة التحدي في كلامه؛ حينما أكد أن الصحافة ليست مجرد مهنة خبزية أو استرزاقية، بل هي التزام أخلاقي وسلطة رابعة لا تكتمل أركانها إلا بجنس التحقيق الذي يراقب السلطة ويكشف مكامن الفساد.
لعل النقطة الأكثر إشراقاً في مداخلة الأستاذ لغروس هي دعوته الصريحة لتغيير عدة الشغل.
فإذا أغلقت الإدارة أبوابها، فإن الفضاء الرقمي يفتح نوافذ البيانات.
إن تركيزه على أدوات الاستخبارات مفتوحة المصدر والذكاء الاصطناعي كقوة موازنة، يعكس وعياً بضرورة انتقال الصحفي المغربي من صحافة الأقوال إلى صحافة البيانات.
البيانات لا تكذب، وصور الأقمار الصناعية لا تحتاج لإذن من مسؤول، وهذا هو مخرج النجاة الذي اقترحه الاستاذ محمد لغروس للخروج من حالة الجزر.
لم يكتفِ الأستاذ لغروس بنقد المحيط الخارجي، بل وجه نقداً شجاعاً للداخل المهني.
حينما تحدث عن القيود الوهمية التي يتلقاها الطلبة في المعاهد من أساتذة غير ممارسين، فإنه وضع يده على جرح التكوين.
إن دعوته للصحفيين للمبادرة والتحقيق في شؤونهم المهنية والاجتماعية قبل مسائلة الآخرين، هي دعوة لاستعادة روح الاستقصاء التي لا تقيدها إلا الخطوط الحمراء الحقيقية، وليس الأوهام التي يصنعها الخوف.
إن مداخلة الأستاذ محمد لغروس تمثل مانيفيستو لجيل جديد من الصحفيين المغاربة.
إننا كصحفيين في المهجر، نرى أن استيعاب هذه الرؤية هو الكفيل بجعل الإعلام المغربي رقماً صعباً في معادلة الاستقرار والديمقراطية.
الصحافة الاستقصائية ليست ترفاً، بل هي ضرورة وطنية، والأستاذ لغروس، من خلال منبره العمق المغربي، يثبت أن الوعي بالأزمة هو أولى خطوات الحل.
كل التقدير لهذا الطرح الرصين الذي يشرف المهنة ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
اللهم أصلح حال مهنتنا، وصُن كرامة الصحافة، وأبعد عنها لقطاء الكلمة والدخلاء والمتطفلين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك