النصر الحقيقي أن نكون مؤمنين طائعين لله عز وجل:
أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام؛ إن الأحداث التي وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ذاتها، ليقف النبي منها الموقف الكامل.
فخباب رضي الله عنه معذور جداً في هذا الموقف، كان عبداً للعاصي بن وائل، وكان العاصي جباراً متسلطاً يعذبه أشد العذاب، حتى أن كتب السيرة تروي لنا أنه كان يشعل الجمر فيرميه على ظهره، حتى لا يطفأ الجمر إلا وقد احترق ظهره، وكان لا يزال شاباً يانعاً، دخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته، فقال له عمر: اجلس فما أحق منك بهذا المجلس إلا عمار، ذلك لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تأخر إسلامه، فكان يعتقد أن ما لقيه خباب أقل مما لقيه عمار رضي الله عنه، فكشف له خباب ظهره، فأراه آثار التعذيب التي ما زالت باقية على جسمه إلى وقت خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه، وحينما مرّ علي رضي الله عنه على قبر خباب بكى وقال: رحم الله خباباً أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلي في جسمه أحوالاً، ولن يضيع الله أجره.
العبرة أن نكون مؤمنين، وأن نكون صابرين، وأن نوقن بيوم الدين، وأن نوقن أن النصر الحقيقي أن تموت مؤمناً، وأن تموت صابراً وطائعاً لله عز وجل.
على الإنسان ألا يتعجل الشيء قبل أوانه:
هناك حقيقة دقيقة أرجو أن أمكن من توضيحها: نحن نستعجل:
﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً ﴾.
حينما يغيب عنا البعد الزمني، غياب البعد الزمني مشكلة كبيرة في تفكيرنا، قبل أن تكون في مواقعنا، ومواقفنا، المواقف والأعمال نتيجة لقرار مبني على التطور، فإذا غاب عنا البعد الزمني للحوادث وقعنا في مشكلة كبيرة، تعودنا أن ننظر دائماً إلى ما تحت أقدمنا، ولا ننظر النظرة البعيدة، وتظهر هذه النظرة في آثار مفجعة، ونتائجها في أقوالنا، وأفعالنا، ومواقفنا، يعلمنا النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم من خلال سنته المطهرة دروساً بليغة في أن نأخذ بالاعتبار البعد الزمني في كل شيء، فمن تعجل الشيء قبل أوانه أوكل بحرمانه، ومن طبيعة الإنسان أن يكون عجولاً، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ﴾.
فإذا اختار الشيء الآجل ارتقى، ولو أنه خُلق بفطرة تبحث عن البعيد، واختار البعيد لا يرقى عند الله، هذا ضعف في أصل خلقه، وبه يرقى.
أيها الأخوة؛ سبب غياب البعد الزمني والعجلة التي نلاحظها عند كثير من المؤمنين ولا سيما بعد الأحداث هو ضغط الواقع الشديد، الواقع له ضغط شديد، وهذا الضغط قد يفقد الإنسان توازنه، ويعمي بصيرته، ويدفع لمواقف غير معقولة، وغير مدروسة، هذا من ضغط الواقع.
القوانين الإلهية واقعة لا محالة:
أيها الأخوة؛ عامل آخر لعله من التربية التي تلقيناها: أن طريقة تفكيرنا غرست عندنا أنماطاً، غرست عندنا النمط المتعجل، تفكيرنا دائماً بسيط ومحدود، والعمق من تفكيرنا غائب سواء على المستوى العام أم الخاص، نحن في أمس الحاجة إلى أن نؤمن أن لكل شيء أواناً، وعلينا أن نعمل بصمت، إليكم آيات من كتاب الله:
﴿ وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾.
ماذا يقول الله بهذه الآية؟ إذا رأوا النبي استهزؤوا واستخفوا به، ولم يحسنوا قدره، يقول الله عز وجل:
﴿ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ﴾.
﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾.
أي أنه لم يأتِ بعد، أي أن القوانين الإلهية واقعة لا محالة، عدل وجزاء، وحكم وقضاء من رب العالمين واقع لا محالة، ينبغي أن نؤمن وكأنها وقد وقعت، وكأن عدل الله وانتقام الله وجزاءه واقع لا محالة، ولكن بعد حين.
في آيتين أخريين ربنا يعلمنا كيف نكون من الصابرين، قال تعالى:
﴿ الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾.
ماذا قال الله بعد هذه الآية؟ قال:
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.
إذا نقلت اهتماماتك إلى الآخرة فأنت رابح ورب الكعبة، ولكن ما بال معظم المسلمين يقينهم في الدنيا وهدفهم الدنيا فإن لم تأتِ كما يتمنون اختل توازنهم؟ !
نماذج من سيرة النبي الكريم تدل على تفاؤله و ثقته بوعد ربه:
إليكم بعض النماذج من سيرة النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم، كيف علمنا النفس الطويل، وكيف علمنا أن نأخذ البعد الزماني على أوسع مدى، حينما كان في الطائف، وكذبه أهل الطائف، وبالغوا بالإساءة إليه حتى أغروا صبيانهم أن يلحقوا الأذى به عليه الصلاة والسلام، وكيف أنه التجأ إلى الله جل جلاله، وقال: يا رب إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي، جاء ملك الجبال وقال: يا محمد لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين - أي الجبلين - فقال النبي الكريم - يبدو أن الأمل قد فقد منهم، لكنه عقد الأمل على الجيل الذي يأتي بعدهم -: لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده.
وأنت حينما تفقد الأمل من المسلمين ينبغي أن تعقد الأمل على أبنائهم، ينبغي أن تعقد على أبناء المسلمين، كما كنت أقول كثيراً: ينبغي أن نعقد على أبناء المسلمين لأنهم الورقة الرابحة في أيدي المسلمين، هم المستقبل، فحينما نعلق على تربية أولادنا، وغرس العقيدة الصحيحة، وعلى أن يتخلقوا بخلق المسلمين، وأن نغذيهم نفسياً، وفكرياً، واجتماعياً، التغذية الصحيحة الاجتماعية، نكون قد عقدنا الأمل عليهم، على هذا الجيل الذي يأتي بعد هذا الجيل الأول، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده.
كان عليه الصلاة والسلام متفائل النظرة، وينبغي أن يكون المؤمن أيضاً متفائلاً في أصعب الأحوال، إن كان في حياته خط بياني، فخطه البياني نزل في أثناء الهجرة إلى النهاية الصغرى، لأن مئة ناقة وعد بها من يأتي بالنبي حياً أو ميتاً، وطمع بهذه المئة سراقة، تبعه سراقة، فقال له النبي الكريم - وهو في محنة ما بعدها محنة، مهدور دمه، ملاحق من قبل خصومه، من يأتي به يأخذ مئة ناقة، ثمنها مئة ألف، مئة ناقة بعشرة ملايين، جائزة كبيرة جداً - قال: يا سراقة! كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ أين كسرى؟ أي أنا سأصل إلى المدينة، وسأنشئ دولة، وأعد جيشاً، يذهب الجيش لفتح التخوم البعيدة، وسينتصر هذا الجيش، ويأتي بكنوز كسرى، كيف بك يا سراقة إذا لبست سوار كسرى؟يا أيها الأخوة؛ أرأيتم إلى تفاؤل النبي؟الآن هذا المشهد كان في حياة النبي، وفي غزوة الخندق.
﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾.
الحقيقة الدقيقة كان الإسلام قضية ساعات ويستأصل من جذوره، حتى أن أحداً مع النبي الكريم يقول: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته؟ أمر عليه الصلاة والسلام بحفر خندق، وعرضت لنا صخرة - كما يقول أصحاب النبي الكريم- لا تأخذ فيها المعاول، فشكونا إلى النبي الكريم، طبعاً عشرة آلاف جندي مدججون بالسلاح، جاؤوا ليستأصلوا الإسلام، وحاصروا المدينة، وفيها يروي المؤرخون أنه ما اجتمع جيش في الجزيرة كهذا الجيش، قضية ساعات، الصخرة عُرضت لم تفتت في أثناء حفر الخندق، فعن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله الكريم بحفر خندق، فعرض علينا ردم صخرة في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول، فشكونا إلى النبي الكريم، فجاء النبي الكريم، وقال عوف وأحسبه قال: وضع ثوبه، ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول، وقال: بسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر في مكاني هذا، ثم قال: بسم الله وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض في مكاني، ثم قال: بسم الله، وضرب الضربة الآخرة فقطع بقية الحجر، وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء في مكاني.
معنى ذلك أن النبي كان متفائلاً جداً، واليأس ينبغي ألا يتسرب إلى قلوب المؤمنين، ينبغي أن تؤمن أن الله لا يتخلى عن المؤمنين، لكنه يؤدبهم أحياناً، ويمتحنهم، ويضعهم في موقف صعب، وزاوية ضيقة، فإما أن يصطلحوا ويتوبوا، ويقلعوا عن معاصيهم وتقصيرهم، وإما فالنتيجة معروفة.
هذا مشهد رابع من سيرة النبي الكريم؛ جاء عدي بن حاتم إلى النبي، فقال له النبي: يا عدي، لعله ما يمنعك الدخول في هذا الدين ما كان من حاجتهم؟ - من فقرهم - والله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعله يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم، وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البابلية البيض في أرض بابل مفتحة لهم، ولعله يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وأيم الله ليوشكن أنك تسمع بالمرأة البابلية تحج البيت على بعيرها لا تخاف، وعاش عدي بن حاتم حتى شهد القصور البابلية مفتحة للمسلمين، ورأى الأمن مستتباً في كل الجزيرة.
النبي كان متفائلاً، واثقاً بوعد الله، ولكن وعد الله لا يحقق في ساعات، أو في أشهر، ليس هذا من اختصاصنا.
العبرة أن نكون مؤهلين لتحقيق وعد الله:
أيها الأخوة الكرام؛ حتى الأنبياء ماذا قال ربنا عنهم؟﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾.
﴿ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً ﴾.
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾.
﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
ما الذي جاء وحدث بعد هذا؟ دخل عليه أخوته، وكان عزيز مصر، وخضعوا له، وتحققت رؤياه، وعد الله حق، والعبرة أن نكون مؤهلين لتحقيق وعد الله بنا.
﴿ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ﴾.
يجب أن يكون نفس المسلمين طويلاً، أن يعدوا العدة لأعدائهم إعداداً مدروساً قوياً، متيناً، عميقاً، ويجب أن يربوا أبناءهم، مسؤولية كل واحد منكم أن يربي أولاده التربية الإيمانية، والعلمية، والنفسية، والاجتماعية، والخلقية، وأن يعد مواطناً صالحاً، معطاءً، مستقيماً، متوازناً، هذا الذي أنتم مكلفون به، وقد يقطف أبناؤنا الثمرة.
فعن أنس بن مالك قال النبي الكريم: " إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل".
حاجة الأمة إلى نفس طويل وعمل دؤوب وتخطيط بعيد لاستعادة مكانتها:
أخواننا الكرام؛ ألا ترى رجلاً مكتمل الرجولة، نشيطاً، قوياً في مكانٍ مرموق، ألم يكن طفلاً صغيراً، لا يستطيع أن يضبط نفسه، ولا يستطيع أن يأكل إلا عن طريق أمه وأبيه؟ ألم يكن لا يستطيع أن يتكلم كلمة إلا عن طريق البكاء؟ كيف أصبح طليق اللسان؟ قوي البنيان؟ رفيع الشأن هكذا؟ لكل شيء أجل، الواقع الذي نعيشه مؤلم، الذي يسحق المسلمين ويقض مضاجعهم ليس وليد ساعة أو ساعتين، ولا شهر أو شهرين، ولا سنة أو سنتين، بل وليد قرن أو قرنين، الوضع الذي نعيشه وليد مئات السنين، وليس من المقبول أو المعقول أن يصحح في يومين، لابد من نفس طويل، وعمل دؤوب، وتخطيط بعيد، هذه الأمة أمة محمد عليه الصلاة والسلام، إن استجابت لقول الله عز وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾.
﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾.
فإن لم تستجب فهي أمة تعامل كبقية الأمم، ولا شأن لها عند الله، حينما يسقط الإنسان من عين الله سقوطه من السماء إلى الأرض أهون من سقوطه من عين الله، لذلك حينما تسقط أمة من عين الله لانصرافها إلى الدنيا، ولأكل حقوق بعضها بعضاً، ولانحرافها عن منهج الله، وتعلقها بالشهوات، هذه أمة كما قال الله عز وجل:
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾.
ليس لكم ميزة ولا درجة، إن كان هناك معاص وذنوب.
على المسلم أن يتمتع بوعي عميق و يهتم بالأولويات:
حينما يغيب البعد الزمني في حياتنا، حينما نعيش لحظتنا، وننظر إلى أقدامنا، ونعيش لإطفاء الحرائق، وتكون أفعالنا ردود فعل فقط، فيأتي الفعل فنحتار به، فنرد رداً عشوائياً.
هذا الوضع لا يبشر بخير، لكن الذي يبشر بالخير أن نعد إعداداً طويلاً، المهمة الأولى أن ننشئ أولادنا تنشئة إيمانية، أن نحرص على أخلاقهم، على عقيدتهم، على التغذيات التي يتغذونها، لعلها تغذيات إلحادية أو إباحية من خلال ما يتلقون من الإعلام، مسؤولية المؤمن من تربية أولاده تبلغ الدرجة القصوى، لأن مظاهر غياب البعد الزمني نحن نبتعد كثيراً عن أعمال ذات أثر بعيد، نريد عملاً له أثر قريب، وهذا خطأ أساسي من أخطائنا، أن نعد إعداداً بعيداً، مثلاً هذا الفقير الذي تساعده، تعطيه مبلغاً، لكن هذا الأمر لا ينتهي، المحسن قد يفتقر، لو أنك أنشأت عملاً، واستوعبت الفقراء، لانتقلوا من أناس يأخذون الزكاة إلى أناس يدفعون الزكاة، انقل الإنسان الفقير من مستهلك إلى منتج، هذا العمل البعيد هو كل أعمالنا الخيرية، أساسها مساعدات المحسنين، وهذه مضطربة، فكل مشاريعنا ليست مستمرة، الإمداد متقطع وغير ثابت، لو كان هناك توظيف لثرواتنا، ومواردنا في مشاريع إنتاجية هذا التفكير الصحيح ينبغي أن نعد العدة لأن أعداءنا أقوياء جداً، وأذكياء، وأغنياء، فلابد من أن نقابلهم بتخطيط، وذكاء، وإعداد، غنينا قد يبادر أحياناً لمساعدة الفقراء، لكن لا يبادر إلى تنشئة الجيل تنشئة إيمانية، يحتاج إلى مدارس، ووسائل، فقد يبادر إلى إطعام الفقير، ويتعامى عن تنشئة جيل، هذا نظر قصير من غياب البعد الزمني، تغيب الأولويات، كما أن المسلمين يهتمون بأشياء من الدرجة العاشرة، والمئة، ويتغافلون عن أشياء من الدرجة الأولى، لابد لكل مسلم أن يتمتع بوعي عميق.
استيعاب الحق لأن الباطل متعدد جداً:
أخوتنا الكرام؛ كنت أقول دائماً: إن استيعاب الباطل مستحيل، لأن الباطل متعدد جداً، ولا يكفي عمر واحد ولا ألف عمر لاستيعاب الباطل، أما إذا استوعبنا الحق كنت أنت مع الميزان، من الذي يستوعب الحق وما ورد في الكتاب والسنة؟ من الذي يجلس على ركبتيه ليتعلم كلام الله عز وجل؟ من هذا الذي يراجع كل المعتقدات ويصححها؟ هذا الذي نقوله أولاً أن نستوعب الحق، فإذا استوعبناه تمايز عندنا الباطل من الحق، وإذا بدأت بالباطل ينتهي العمر كله، ولا ننتهي من الباطل.
مراجعة النفس و التوبة إلى الله:
كنت أقول: إن ما يطبع باليوم الواحد بلغة واحدة لا تستطيع أن تقرأه بمئتي عام، لكن القرآن الكريم وسنة النبي الكريم هما الكتابان المقرران اللذان سوف نمتحن بهما، هذا الذي ينبغي أن ننصرف إليه، واليوم هذا الفيروس الذي جعل الحياة ابتلاءً للبشرية نحن المسلمين لابد من أن نتفاءل بزواله، ونتخذ الأسباب الصحيحة، وأن نتوب إلى الله عز وجل، وأن نراجع أنفسنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك