يشدد الأطباء ومتخصّصو التغذية والمنظمات الأممية على أن الصيام قد يكون فاعلاً لمرضى السكري، لكنّه يحتاج إلى إشراف طبي، تفادياً لأي مضاعفات على صحتهم ومسار علاجهم.
مع حلول فترة الصيام كل عام، سواء لدى الطوائف الإسلامية أو المسيحية، تبرز التساؤلات والهواجس بشأن مرضى السكري وقدرتهم على الصيام، ومضاعفاته على صحتهم ومسار علاجهم.
وبحسب الموقع الرسمي للاتحاد الدولي للسكري، فقد أظهرت الدراسات أن الصيام يمكن أن يقلل بشكل فعال من خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، ويحسن حساسية الإنسولين، ويخفض ضغط الدم، إذ كان الصيام قبل اكتشاف الإنسولين، يساعد في السيطرة على داء السكري من النوع الأول، وهو يدعم اليوم تشخيص داء السكري وتقييم عوامل الخطر.
كما يزداد الاعتراف بقدرته على الحد من داء السكري من النوع الثاني.
غير أن الاتحاد يحذّر من أن الصيام قد يؤدي إلى مضاعفات لدى مرضى السكري، تشمل انخفاض نسبة السكر أو ارتفاعه في الدم، والجفاف، والحماض الكيتوني السكري (DKA) لدى الأشخاص المصابين بالنوع الأول، والذي ينتج بسبب نقص الإنسولين ويهدّد حياة المريض.
ووفق الاتحاد، فإنّ تبنّي عادة الصيام باعتبارها نمط حياةٍ متجدداً، قد يساهم في تحسين الصحة، ومن ضمنها الصيام المتقطع، إذ تشير بعض الأبحاث إلى أن الصيام لمدة 16 ساعة يومياً وتناول الطعام خلال فترة ثماني ساعات قد يُساعد على خفض مستويات السكر في الدم وإنقاص الوزن.
علاوة على ذلك، توجد أدلة على إمكانية التعافي من داء السكري من النوع الثاني باتباع نظام غذائي يعتمد على الصيام المتقطع.
وفي حديث خاص لـ" العربي الجديد"، يشدّد الطبيب اللبناني المتخصص بأمراض الغدد والسكري ممدوح منصور، على أن مريض السكري يمكنه أن يصوم في حال كانت حالته مستقرة وكان مخزون السكر لديه ضمن المعدلات الطبيعية، وفي حال كانت نسبة السكر في الدم خلال النهار لا تتجاوز 130 أو 160 ملليغرام/ديسيلتر.
ويقول: " على مريض السكري في حال رغب بالصيام، أن يراجع طبيبه قبل بدء فترة الصوم، كي يُجدول العلاج المناسب لحالته، وما يتبع ذلك من تعديل عدد الجرعات وتوقيتها وكذلك الأدوية، تفادياً لأي هبوط في نسبة السكر بالدم"، موضحاً أن" المشكلة الأولى التي يواجهها مريض السكري خلال فترة الصيام تكمن بهبوط نسبة السكر بالدم، وهي مسألة خطيرة قد تتسبّب باضطرابات في النظر، وربما بغيبوبة.
لذلك، فإن سمح الطبيب للمريض بالصوم، على الأخير مراقبة نسبة السكر في الدم أكثر من مرة خلال اليوم، وقد تصل إلى ثلاث مرات أو عند الحاجة".
ويضيف منصور: " أمّا مريض السكري الذي يُعالج بحقن الإنسولين، فمن المستحسن مراجعة طبيبه، وعدم الصوم لفترات طويلة، خصوصاً في حال كان يحتاج لأكثر من حقنة خلال اليوم، لأن تعديل الجرعات قد يؤدي إلى ارتفاع بنسبة السكر في الدم، وبالتالي إلى مضاعفات إضافية.
وأكثر ما نخشاه لدى مرضى السكري إصابتهم بالجفاف من جراء عدم شرب المياه، ما يتسبّب بخللٍ في وظيفة الكلى ويؤدي إلى تخثر الدم (التجلط)، ما يعني احتمالاً أكبر للإصابة بجلطات دموية".
ويشير إلى أن" المصابين بمرض السكري من النوع الأول الذي يعتمد علاجه على الإنسولين، عليهم استشارة الطبيب كي يقرر مدى إمكانية الصوم من عدمها، وذلك بحسب الوضع الصحي للمريض وما يعانيه من مضاعفات.
ولكن عادةً يمكن للمصابين بالنوع الأول الصوم إنّما بحذر كبير ومراقبة حثيثة لمستوى السكر في الدم".
ويلفت منصور إلى أن الصوم عند الطوائف المسيحية تبقى مضاعفاته أخفّ حدّة على مريض السكري، رغم اختلاف نوعية الطعام وعدم تناول اللحوم والمنتجات الحيوانية، كون المريض يشرب المياه والسوائل بعد الساعة 12 ظهراً ويتناول الطعام لغاية منتصف الليل.
لكن هذا لا يعني أن أولئك عليهم الصيام من دون مراجعة الطبيب لتحديد كمية الجرعات والأدوية.
ويختم بالتنبيه إلى أن مريض السكري يشكو كذلك من مضاعفات عدة، مثل أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، ما يحتّم عليه مراجعة الطبيب المتخصص لتعديل عدد الأدوية وتوقيتها، وذلك من أجل الحفاظ على مستوى ثابت بضغط الدم".
ويؤكد المتخصص في مجال التغذية إيلي سعادة لـ" العربي الجديد"، أن الصيام قد يكون جيداً لمَن يعانون مشكلات صحية مثل أمراض السكري وارتفاع ضغط الدم وغيرهما، ولكنّه يحتاج إلى إشراف طبي، خصوصاً أن الأدوية لها توقيتها المحدد، وبعضها يجب تناوله على الريق (على معدة فارغة)، وربما لا يمكن تأجيل مواعيدها.
ويوضح أن الصيام الطويل غير محبّذ لمريض السكري، لذلك يستدعي صيام شهر رمضان مراقبة طبية خاصة، لأنه أصعب بكثير من الصيام المتقطع والذي يُعتبر نظاماً غذائياً قائماً على فترات طعام وصيام يحددها الشخص بنفسه لتخفيف الوزن أو للوقاية من مقاومة الإنسولين، وليس بناءً على أوقات دينية.
ويقول: " الصيام المتقطع يُعدّ أفضل الممكن لمريض السكري كونه يساعد على تحسين حساسية الإنسولين، ويقلّل من مقاومة الإنسولين، ويسمح بشرب المياه والسوائل الخالية من السكر خلال فترات الصيام، ما يمنع إصابة الجسم بالجفاف أو الانخفاض المفاجئ في سكر الدم.
كما أنه أفضل لمَن يعانون من السمنة وارتفاع ضغط الدم وتحسين صحة القلب ومحاربة الالتهابات".
ويشرح سعادة أن الجسم خلال فترات الصيام يعتمد بعد أربع أو ستّ ساعات من تناول الإفطار على الغلوكوز الناجم عن الطعام باعتباره المصدر الأساسي للطاقة، وترتفع بذلك مستويات الغلوكوز والإنسولين من أجل تخزين الفائض.
وبعد ستّ إلى 12 ساعة من الصيام يستخدم الجسم المخزون مصدراً للطاقة، وبعد ذلك يحرق الجسم الدهون من أجل مدّ الإنسان بالطاقة.
ويضيف: " الصيام في رمضان والصيام المتقطع كلاهما مفيد، لكن صيام رمضان له تأثيرات إيجابية وله بعض السلبيات، ويحتاج إلى إدارة أكبر للإفطار والسحور من أجل مد الجسم بالطاقة اللازمة، والحد من الجفاف، وتفادي وجبات الطعام الثقيلة المفاجئة وغير الصحية مثل المقالي والحلويات وغيرها، ما يحافظ على استقرار السكر بالدم.
وبشكل عام، يشعر الفرد في الأيام الأولى للصيام بتعب شديد، ولكن بعد تكيّف الجسم يبدأ باستخدام الدهون مصدراً للطاقة، ما يحسن القدرة على التركيز ويقلل الشعور بالجوع على المدى الطويل، ولا سيّما إن كانت أصناف الإفطار والسحور متوازنة.
وتبقى التحديات في نقص كميات المياه ما يسبّب الجفاف في الجسم، ويؤدي إلى انخفاض مستويات الطاقة والإصابة بدوخةٍ وألم في الرأس، خصوصاً خلال فصل الصيف مع الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية، ما يتسبب كذلك بتراجع القدرة على القيام بتمارين رياضية مكثفة".
ويلفت سعادة إلى أن أفضل الأطعمة التي يجب تناولها على مائدة الإفطار، سواء لمرضى السكري أو لجميع الأشخاص، فهي تكمن في التمر والمياه، من منطلق أن التمر مصدرٌ سريع للطاقة، وهو من السكريات الطبيعية الغنية بالبوتاسيوم والمغنيسيوم، ما يعوّض المعادن الأساسية التي خسرها الجسم خلال فترة الصيام.
كما أن المياه ترطب الجسم وهي غنية كذلك بالمعادن، حتى إنّ بعض الفيتامينات المهمة الموجودة في الطعام تذوب بعد شرب المياه ما يساهم في امتصاصها.
وينبّه إلى أن وجبة الإفطار يجب أن تكون صحية كي تعوّض العناصر الغذائية المفقودة، ما يعني ضرورة تناول البروتينات من خلال اللحوم والدجاج والسمك المشوي، وهذه الأصناف تمنح شعور الشبع لفترات أطول، إلى جانب الحبوب والبقوليات أو البيض والأجبان القليلة الدهون.
ويؤكد سعادة أهمية تناول الأصناف الغنية بالدهون الصحية، مثل الأفوكادو وزيت الزيتون والمكسرات النيئة وأسماك السومو والسردين، إلى جانب الخضار باعتبارها غنية بالألياف وتعزّز من ثم عملية الهضم، خصوصاً خلال فترات الصيام الطويلة، لافتاً إلى حاجة الجسم إلى النشويات، حتى لو بمعدلات أقل لدى مرضى السكري.
وبحسب منشور المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط عبر حسابه على" فيسبوك" في 16 فبراير/شباط الجاري، فإنّ صيام شهر رمضان من المرضى المصابين بداء السكري من النوع الثاني الخاضع للسيطرة الجيدة على مستويات السكر في الدم، يبقى قراراً قائماً على مستوى المخاطر، إذ على المريض استشارة طبيبه بشأن التعديلات المطلوبة في جرعة الإنسولين، وتوقيت الجرعة والدواء، ونوع العلاج، وذلك للحد من خطر نقص السكر في الدم.
وعبر موقعه الإلكتروني، نبّه المكتب الإقليمي للمنظمة إلى ضرورة اتّباع نظام غذائي صحي ومتوازن خلال شهر رمضان، وشرب كميات كافية من المياه، والابتعاد عن التدخين والسيجارة الإلكترونية من أجل الحفاظ على الصحة.
وأفاد بأنّ مرضى السكري قد لا يتمكنون من التحكم في حالتهم الصحية في حال كانوا يتّبعون عادات غذائية غير صحية، مشيراً إلى أهمية اتباع إرشادات بسيطة حتى في غير أوقات الصيام، ومنها شرب الكثير من المياه (10 أكواب على الأقل)، وتناول الأطعمة المرطبة مثل الحساء والسلطة الخضراء والبطيخ، وتجنّب المشروبات التي تحتوي على الكافيين مثل القهوة والشاي، لأن الكافيين قد يسبب كثرة التبول، ما قد يؤدي إلى الإصابة بالجفاف، كما أن المشروبات الغازية التي تحتوي على السكر ستضيف مزيداً من السعرات الحرارية إلى النظام الغذائي لمريض السكري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك