يشكل القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) حقبة بالغة الأهمية في تاريخ مدينة القدس، حيث شهدت حركة علمية نشطة ومتشابكة مع محيطها الإسلامي والغربي.
وفي خضم هذه النهضة، برز الإمام محمد بن محمد التافلاتي الفقيه المالكي ثم الحنفي، الذي جمع بين أصالة المغرب وعلم المشرق، وترك بصمة لا تمحى في الساحة العلمية والدينية بالمدينة المقدسة.
وحسب ما يورد كتاب" معجم المفسرين من صدر الإسلام وحتى العصر الحاضر" لصاحبه عادل نويهض فقد ولد التافلاتي في مدينة تافيلالت بالمغرب، ونشأ في بيت علم حيث حفظ القرآن ودرس المتون على يد والده.
لم يثنه صغر سنه عن الشغف بالمعرفة، فرحل مبكرا إلى طرابلس، ثم القاهرة، ومكث في الجامع الأزهر حوالي سنتين وثمانية أشهر، تلقى خلالها العلم على كبار شيوخه.
وقد شكلت هذه الفترة النواة الأولى لتكوينه العلمي الموسوعي.
لم يكن الأزهر محطة التافلاتي الوحيدة، فقد كانت رحلاته العلمية واسعة شملت الحجاز واليمن وعمان والبحرين والبصرة، ودمشق وحلب وتركيا.
وسكن في مدينة القدس واستقر بها، حيث يذكر تلميذه المؤرخ العلامة حسن بن عبد اللطيف الحسيني أنه حل بمدينة القدس سنة 1172هـ/1758م، وأقام في دار موقوفة على المغاربة، تقع بعقبة زقاق عامود العين.
ووصفه قائلا إنه كان" لابسا ثوب الأبرار الصالحين"، فاستقبله أهل المدينة بالتكريم والإجلال والتعظيم، وأقام بها منكبا على تدريس الحديث الشريف والتفسير، تقريرا وتحقيقا.
فأقبل عليه الناس من خاصتهم وعامتهم، ممتثلين لأمره، حافظين لوعظه، قائمين بإكرامه، حريصين على تحقيق مقاصده وبلوغ مرامه.
وفي عام 1174هـ/1760م، تولى وظيفة قراءة كتاب" الشفا في حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم" للإمام المالكي الشهير القاضي عياض، ضمن درس الحديث الشريف في المسجد الأقصى.
وفي عام 1178هـ/1764م، تولى نظارة وقف المغاربة المعروف بـوقف أبي مدين الغول، وتذكر المصادر أن علاقته توثقت خلال هذه الفترة بمفتي الشافعية في القدس حينها، الشيخ محمد سعيد أفندي، وتحول من المذهب المالكي إلى المذهب الحنفي المعمول بع في فلسطين.
وتولى منصب الإفتاء في بيت المقدس في عام 1182هـ/1768م، واستمر الإمام التافلاتي في منصبه حتى وفاته في ذي القعدة عام 1191هـ/1777م، أي أنه مكث في منصبه عشر سنوات تقريبا إلى غاية وفاته.
وذكر الحسيني أنه خلال السنتين الأوليين من إقامته ببيت المقدس كان التافلاتي يتجنب أولي الأمر والحكام، ويبتعد عنهم، رغم أنهم كانوا يقفون على بابه.
ويضيف أن الوزير عبد الله باشا الجتجي (ت 1174هـ/1760م) قدم إلى القدس، فأراد الاجتماع بالشيخ، واجتهد في ذلك، وتوسط لديه أعيان المدينة، إلا أنه رفض وامتنع ورد جميع الوساطات.
وبينما كان يلقي درسه بالحرم القدسي الشريف، داخل المسجد الأقصى قرب قبة الصخرة المشرفة، حضر الوزير وألقى على كتفيه فروة فاخرة، ووضع بين يديه صرة من المال، والشيخ لا يلتفت إليه ولا ينظر نحوه.
فازداد بذلك مقامه عند الناس جميعا، وارتفعت منزلته، وتعاظم يقينهم به، وأخذ الناس يتهادون إليه ويغمرونه بمزيد من الإكرام، ويهابونه في كل مجلس.
وينقل الحسيني أن هذا الحال استمر إلى أن قدم الوزير محمد باشا الشلّك، فكان أول من قابله التافلاتي، حيث طلب منه فتوى، ثم شرع بعد ذلك في مقابلة القضاة والحكام والتردد على مجالسهم.
ولم تكن مكانة التافلاتي العلمية محط خلاف بين معاصريه، فقد أثنى عليه علماء المذاهب المختلفة.
ومن بينهم أستاذه شيخ الجامع الأزهر، العلامة محمد بن سالم الحفني الشافعي، واصفا إياه بـ" علامة العصر".
كما نعته معاصره ومترجمه الإمام المرادي بأنه الفائق على أقرانه، الجامع بين التفوق العلمي والقدرة الأدبية.
ووصفه تلميذه وخليفته في منصب إفتاء الحنفية الحسيني بـ" المقدام العالي الهمام".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك