رواية «ميثاق النساء» للشاعرة الروائية اللبنانية حنين الصايغ، رواية تدور أحداثها في قرية في جبل لبنان، مختبئة خلف الغابات والأشجار، ومتوارية خلف جدران عالية من التقاليد الاجتماعية والتعاليم الدينية.
بطلة الرواية (أمل بونمر) كُتب عليها أن تواجه الحياة بمفردها، وهي في السادسة عشرة من عمرها، وتُحدث ثقبًا في جدار عزلتها، وتخلق لها أجنحتها الخاصة لتطير بها نحو الحرّية والخلاص.
(أمل بونمر) في هذه القصّة كالجدول الصغير، الذي يريد أن يخطّ مساره بمفرده، رغمًا عن الصخور الكبيرة التي تعترض طريقه، والتربة التي تريد ابتلاع مائه، والأشجار التي تعطّل جريانه، ولكنّه يصرّ على الجريان، ليرتمي في حضن بحر بيروت، ولا يعود إلى قريته الجبلية إلا على هيئة غيمة ممطرة تغسل الأرض وتُنبت الأزهار.
هي قصّة الصراع بين حب الأم عبر التماهي مع ألمها، والسعي إلى تحقيق الإنسانيّة الكاملة عبر الانفصال عنها.
وهي قصّة مواجهة عبوديّتين: العبودية المطلقة التي تُمارس على المرأة في البيئات المغلقة، والعبودية ذات الشروط المحسّنة، التي يراد تصويرها وكأنّها حياة رغيدة تحقّق السعادة للفتاة، ولا ينبغي أن تعترض عليها.
هي قصّة الهروب من واقع مرّ مقرّر فيه أن تكون الفتاة تكرارًا لمأساة أمّها، وأن تتخلّى عن أحلامها في مقابل أن تعيش على مقاييس القرية وآراء مشايخها، وأن تكون الصورة التي يريد أبوها أن يراه العالم بها، حتى ولو أدى ذلك إلى ذبولها وفنائها.
هي قصّة الهبوط إلى بيروت، عبر طرق متعرّجة، ضيّقة، مخيفة، تشبه الانحدار الخطر الذي يراه الجميع طريقًا للهاوية، إلا (أمل بونمر) التي ترى فيه الطريق المعبّد الذي تسترجع فيه إنسانيتها وأحلامها، حتى ولو أدى بها الأمر إلى التخلّي عن أقرب المقرّبين، وأن تجد نفسها بلا مأوى، وحيدة جالسة على كرسي مقابل بحر بيروت، في الساعة الرابعة والنصف فجرًا.
ميثاق النساء في الرواية هو رابطة الألم بين البطلة وأمّها، تنظر من خلاله إلى حياتها باعتبارها تكرارًا عصريًا لحياة أمّها، وباعتبار كلّ ألم تعاني منه البطلة في حياتها هو اعتذار لأمّها عن ألمها، وكأنها تقول لها: أنت لست وحدك يا أمي.
أنا أيضًا أتألم.
أنا أيضًا لا قابليّة عندي للحياة.
ثم تعود البطلة في نهاية الرواية إلى الإعلان عن فكّ ميثاق الألم الذي يربطها بأمها، ووضع حدّ للتماهي مع شخصيتها والحرمان الذي تعاني منه والحزن الذي يغمرها بصورة دائمة، ولم تعد تعتبر ألمها وسكوتها وانكسارها فضيلة.
ويتخذ ميثاق النساء في الرواية أيضًا شكلًا آخر، وهو شكل التضامن.
ويظهر ذلك في الموضع الذي تحتضن فيه عجوز محجبة بطلة الرواية وهي في ذروة انهيارها، وتطلب فيه البطلة منها أن تدعو لها رغم اختلاف ديانتيهما، وتقول عن ذلك: «ربّما أدركت في تلك اللحظة أنّ هذا هو ميثاق النساء الحقيقي.
ميثاق من التضامن والفهم والوجع لم يخطّه أحد في كتاب، ولم يفرضه أحد على النساء.
ميثاق يجعلنا نتواصل ونترابط على بعد آخر.
بعد لا علاقة له بالدين أو الثقافة والجغرافيا».
وتشبّه البطلة تضامن النساء بجذور أشجار السنديان العتيقة التي تمتدّ لعشرات الأميال وتتعانق تحت سطح الأرض.
«شيء ما يتحرّك في المرأة حين ترى امرأة أخرى تعاني، شي ما يوقظ أنثى الذئب المتوحّشة في أعماقها فيستيقظ تعاطفها وتتحرّك أمومتها، حتى لو لم تكن قد أنجبت من قبل».
الرواية تدور كلّها حول الثقب الذي أحدثته (أمل بونمر) في جدار عزلتها، وهو ذات الثقب الصغير الذي تحدثه الفراشة في شرنقتها، قبل أن تقوى أجنحتها وتتمّكن من الخروج من الشرنقة والطيران، دون انتظار مساعدة الآخرين لتوسعة هذا الثقب، أو مدّها بجناحين صناعيين.
هو الثقب الذي قادها إلى فتح غرفها المظلمة في قعر روحها وفهم نفسها واسترجاع إنسانيّتها وأحلامها.
وإلى جانب المعركة التي تخوضها (أمل بونمر) مع تقاليد مجتمعها، تخوض معركة أخرى مع نفسها، تواجه مخاوفها وشعورها بالذنب المتأصّل في نساء قريتها، وتحفر عميقًا لمواجهة الصورة المشوّهة عن نفسها، وإحساسها الدائم بالدونية أمام الرجل، وبأنها أقلّ ممّا يراه الناس.
وهذه هي معركتها الأهمّ، التي كان عليها خوضها قبل أن تنال حرّيتها الكاملة، وتستعيد إنسانيّتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك