منذ حوالي أربع سنوات مضت، يوم 26/6/2022، رحلت عن عالمنا هذا رسامة أميركية اسمها (مارغريت كين)، وهي التي تميزت واشتهرت بلوحاتها التي تُصوّر، في الغالب، أطفالا بعيون واسعة ومُعبرة، وهي التي زادت شهرتها جراء فيلم «عيون كبيرة - Big Eyes» وقام بإخراجه مبدع مشهور اسمه (تيم بيرتون) الذي كان جامعا وشغوفا بأعمالها، ولذلك تأسست فكرة الفيلم على العيون الكبيرة، وراء النقاد أنها كانت فنانة ثائرة، وصفت بانها (أيقونة حقيقية لفن الرسم وموسيقى البوب).
واصلت مسيرتها الفنية هادئة وصابرة في عالم الفن المعاصر، الذي ترى أن الذكور يهيمنون عليه! فكانت نموذجا ناجحا، متميزا في إبراز الإبداع الأنثوي فنجحت في مسيرتها الفنية، التي نافست الذكور المتسلطين على مشاريع الإبداع والتميز.
كان وعيها العميق بقدراتها، ناهيك عن موهبتها الحقيقية، وصبرها وعزيمتها، هما ابرزا حقها الذي كان أن يضيع.
خجولة حد دهشة عيون شخصيات مواضيعها!
وُلدت (بيغي دوريس هوكينز) وهذا هو اسمها الحقيقي في العام 1927، وتزوجت من تاجر ورجل أعمال ذو قدرات فنية محدودة، فبدا مشروع بيع لوحات زوجته، من بعد أن نسبها لنفسه، نجحت لوحاتها، وحققت ارباحا، بسبب براعة رسمها، غير المألوف، كانت زوجته خجولة حد دهشة عيون شخصيات مواضيعها!
«ويعزى النقاد هذه السمة، التي تُعدّ بصمة لا تُمحى في أعمال هذه الفنانة، إلى فقدانها الجزئي للسمع إثر جراحة خضعت لها في صغرها، مما دفعها إلى التركيز كليا على بصرها.
مع ذلك، ربما لا تكون عيناها الواسعتان سوى وسيلة للتعبير عن ذاتها الداخلية، عن اللاوعي بصعوبة مشاعرها الدقيقة».
وعلى الرغم من تكرار تسلط العيون الواسعة، وهي ما اقتصرت على بوترياتها، فبانت قدرتها العميقة في ابراز الروح الإنسانية وتجريدها من كل شيء، بفضل تلك العيون الواسعة، الحزينة، الكئيبة، التائهة، التي تكاد تذرف الدموع أحيانا فأسرت روح المشاهد حال رؤيتها.
(آندي وارهول) وهو أحد رواد فن البوب في أميركا، وصف لوحاتها «بالإبداع الذي أثقل كاهلها، إذا تشقى فيه ويزداد تنوعا وألقا، فيما هي وحدها تشقى، في صمت، منزوية في الظل، تتابع نجاحها الذي يُسلب منها على يد زوجها».
الذي ظل يثقلها بتكلفها باستمرار، بأعمال جديدة لزيادة الطلب، فيما يدعى أنه هو منفذ هذه الأعمال، مقنعها حد التهديد بأن المجتمع الفني الأميركي يُقلل من قيمة الابداع الانثوي، ولكنها فقدت صبرها وفضحته، حد مواجهة في محاكمة قانونية وعلنية طويلة تُحقق العدالة، فلقد طلب القاضي أن يرسما الزوجان لوحتين ليقرر من هو رسام اللوحات الحقيقي، وبالفعل أُقرت المحكمة أنها هي الرسامة وليس زوجها! فزهت بقرار المحكمة، وزادت أعمالها بسبب ثقتها في نفسها وتقييم الناس لها، وقبل كل شيء، كرامتها كفنانة.
انتقلت، إلى هاواي، بعدما انفصلت عنه مواصلة العمل، بدعم من زوجها الجديد وحياة وادعة ساكنة جديدة، حد أن النقاد قالوا عن (عيون) لوحاتها لم تعد حزينة، بل مشرقة وسعيدة، وإن ظلت في الغالب على وشك البكاء، ولكنه بكاء السعادة! وهذا ما اعترفت الفنانة نفسها به بعد انفصالها عن زوجها، إذأشرقت خلفيات لوحاتها، وأصبحت أكثر زهاء، وطمأنينة، وحيوية، وخفت درجات اللون الرمادي الداكنة الكئيبة، مؤكدة أنها تستلهم أعمالها من أعمال (موديلياني) و(فان جوخ) و(كليمت) وقالت إنها ألحقَت بأعمالها إشارات إلى إبداع (غوغان)!
وما أن تحولت قصتها لاحقا إلى فيلم «عيون كبيرة» العام 2014، حتى زادت شهرة أعمالها، وإن كانت قد وصفت مشاهدة الفيلم بأنها تجربة «مؤلمة».
وفي العام 2018، منحها معرض (لوس أنجليس) للفنون جائزة الإنجاز مدى الحياة خلال معرض لأعمالها.
ولقد وصفت ذلك بأنه «نعمة حقيقية».
وتوفيت فنانة العيون الكبيرة عن عمر ناهز 94 عاما إثر سكتة قلبية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك