من أعظم الدّروس التي ينبغي للعبد المؤمن أن يتعلّمها من رمضان في سرعة انقضاء أيامه وتصرّم لياليه، أنّ هذه الحياة الدنيا متاع الغرور وظل زائل، وأيام معدودات تتوالى وتتعاقب حتى يحين موعد الرّحيل، والمغرور من جعل أيامه وأوقاته وساعاته كلّها خالصة لهذه الدنيا الفانية؛ أُثر عن الإمام ابن عون –رحمه الله- أنّه كان يخاطب التّابعين فيقول: “إنّ من كان قبلنا كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنّكم أنتم الآن تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم”.
هذا ما قاله الإمام ابن عون وهو يخاطب التّابعين، فماذا لو أدرك زماننا هذا ورأى كيف ملكت الدّنيا قلوبنا واستغرقت أوقاتنا إلا من رحم الله منّا؟ وكيف أسيلت الدّماء وانتهكت الأعراض وقطعت الأرحام وعقّ الوالدان وضيّعت الصّلوات وانتهكت الحرمات لأجلها، وكيف هجر كتاب الله وضيّعت الأمانة لأجلها.
انتحر شباب في عمر الزّهور لأجلها.
شربت المسكرات والمخدّرات لنسيان همومها.
حسرات وزفرات وآهات وصيحات لأجل تضييع شيء من متاعها… ضحكات وقهقهات لأجل تحصيل لذة من لذاتها.
شابّ يبكي لأنّ المرأة التي أراد تزوّجت غيره، وآخر يسبّ أقدار الله لأنّه لم ينجح في مسابقة التّوظيف، امرأة تزفر وتتأفّف لأنّ زوجها حرمها حضور حفلة عرس يجاهَر فيها بمعصية الله، وأخرى امتنعت عن خدمة زوجها وقاطعته لأنّه منعها الذهاب إلى الحلاّقة، وأخرى تركت الصّلاة لأنّه لا أحد يتقدّم لخطبتها!
واقع مرّ يجعل العبد المؤمن يتساءل: كيف السّبيل لأنال نصيبي من الدّنيا من دون أن أضيّع ديني؟ ما الحيلة والنّاس يتصارعون ويتقاتلون عليها، ومن لم يزاحمهم فاته نصيبه منها؟ والجواب أنّ الله جلّ وعلا أمرنا أن نطلب حظّنا من الدّنيا، ونعمل ونكدّ ونجتهد لتحصيل أرزاقنا وعمارة هذه الأرض، لكنّه سبحانه لا يرضى لنا أن نجعل الدّنيا أصلا والآخرة استثناءً، ونجعل الدّنيا أكبر همّنا ونعطيها غالب أوقاتنا، بينما لا نُبقي للآخرة غير فضول الأوقات والهموم، يقول جلّ من قائل: ((وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا))، فاسْعَ لرزقك كما يسعى النّاس، وتزوّد من الحلال كما يتزوّدون، لكنْ إياك أن تشغلك المنافسة على لعاعة الدّنيا عن دينك وموقفك بين يدي خالقك، إياك وما حرّم الله، إياك والغشّ، إياك والظّلم، إياك وأموال النّاس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك