ما من بلد يصلح أكثر من إيران مثالاً على الصورة التي يحملها الغربيون عن شرقٍ غامض، ومخيف أحياناً؛ غموضٌ جعل كثيرين يلقون، عجزاً أو استسهالاً، كلّ ما يجيء من ذلك الفضاء البعيد في صندوق ممهور بختم" الشرق المعقّد"، تتنازعها صور متضادة: حضارة عريقة في مقابل نظام ثيوقراطي صارم، مجتمع شاب متعلم في مقابل دولة أمنية مغلقة، قوة إقليمية فاعلة في مقابل بلد معزول مثقل بالعقوبات.
يجيء كتاب" أفكار شائعة حول إيران" (منشورات لوكفاليييه بلو، 2025) للباحث الفرنسي المتخصص في الدراسات الإيرانية كلِمان تيرم، في لحظة إقليميّة متوترة، تتصاعد فيها المواجهة مع إسرائيل، وتشتدّ العقوبات على الجمهورية الإسلامية وتتراجع بعض أوراق نفوذها في المنطقة، حيث يفكك الكتاب من زاوية سياسية–جيواستراتيجية عشرين فكرة سائدة عن إيران، من" العزلة التامة" إلى" استحالة التغيير"، مروراً بـ" اضطهاد الأقليات" و" النظام التيوقراطي الذي يدعمه كافة رجال الدين"، كاشفاً أن الواقع أكثر تركيباً من تلك الأحكام القطعية الشائعة.
ويرى المؤلّف أن العقوبات مؤثّرة لكنها ليست السبب الوحيد للأزمة التي تعانيها إيران، وأن السلطة الدينية ليست كتلة متجانسة، والمجتمع منقسم، لا هو موحّد خلف النظام ولا ضده، كما يركز على العوامل الداخلية: الاحتجاجات المتكررة، وتآكل الشرعية، وتضييق القاعدة الاجتماعية، وصعود جيل أقل ارتباطاً بخطاب الثورة، لكنّه يحذر من الرهان على سقوط سريع للنظام، الذي أظهر دائماً قدرة على التكيّف داخلياً وإعادة التموضع الخارجي.
الواقع الإيراني أكثر تركيباً من الأحكام القطعية الشائعة.
لكن تيرم لا يغفل دور التحولات الإقليمية الأخيرة، من حرب غزة إلى سقوط النظام السوري أواخر 2024، التي يرى أنها أضعفت نفوذ طهران الإقليمي، خصوصاً بعد المواجهة المباشرة مع إسرائيل والتدخل العسكري الأميركي في يونيو/ حزيران 2025، مع تصاعد العقوبات والأزمة الاقتصادية وموجات الاحتجاج، ما دفع النظام إلى تشديد القبضة الأمنية، فنجح في البقاء ولكن على حساب تقلّص قاعدته السياسية والاجتماعية.
أما كتاب الأنثروبولوجية الفرنسية من أصل إيراني فاريبا عادلخاه الذي يحمل عنوان" مفارقات إيران، أفكار شائعة حول الجمهورية الإسلامية" (2013)، والصادر عن الدار نفسها، فينطلق من نقد القراءة التي تختزل إيران في صراع أبدي بين" شعب مظلوم" و" دولة مستبدة"، أو تقدّمها بوصفها كياناً حضارياً بهوية دينية جامدة، فتبيّن أن التشيّع لم يصبح دين الدولة إلا في العصر الصفوي، وأن الهوية الإيرانية تشكّلت عبر تفاعلات طويلة مع جيرانها العرب والأتراك والصينيين والعالم الغربي.
كما تعيد قراءة ثورة 1979 باعتبارها حدثاً سياسياً مركّباً، لا مجرد" انبعاث ديني"، مبرزةً أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والقومية.
وتؤكد المؤلفة أن إيران حصيلة صراعات تاريخية واجتماعية، وهي لا تنهض على ثنائية" المجتمع البريء" و" الدولة الشريرة"، مبيّنةً أن الدولة نفسها أسهمت، عبر التعليم والبيروقراطية والتنمية الحضرية، في إعادة تشكيل الفردانية والعلاقات بين الجنسين والأجيال، ما يجعل من إيران بلداً" عادياً" تحكمه ديناميّات معقدة، ولا يمثّل استثناء حضارياً مغلقاً.
إذا كان الكاتبان قد نجحا، كلّ من منظوره، في تفكيك الأحكام الجاهزة حول إيران وقدّماها ساحة تخترقها ديناميات معقدة، وبلداً متعدّد الطبقات التاريخية، يتحرك بين ضغوط الخارج وتوترات الداخل، فإنّ الروائي الفرنسي فرانسوا -هنري ديزيرابل، يقدّم مثالاً نقيضاً في كتابه" تآكلُ عالَم، رحلة عبر إيران" (منشورات غاليمار، 2023).
يسرد ديزيرابل رحلة استغرقت أربعين يوماً فقط، قام بها الكاتب أواخر 2022، وفي سياق الاحتجاجات التي أعقبت مقتل الشابة الإيرانية مهسا أميني على يد شرطة الإرشاد، في نوع آخر من التبسيط المعاكس، إذ يعيد إنتاج الثنائية" الشعب البريء" و" الدولة المستبدة"؛ فعبر لقاءات اقتصرت في الغالب على شباب يتعلّمون الإنكليزية عبر المسلسلات الأميركية، ويرتدون ملابس تحمل علامات تجارية غربية، ويحلمون بزيارة نيويورك، ويخلص إلى أن الشعب كلّه معاد للنظام.
ولا يتردّد في إصدار أحكام اجتماعية وسياسية أساسها الانطباعات الشخصية، التي ربما لا تكفي وحدها لتفسير أحوال المجتمع الإيراني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك