Euronews عــربي - قضيتان تهزان الرأي العام في مصر.. ابتزاز في مؤسسة تعليمية واستدراج فتيات عبر الإنترنت الجزيرة نت - مصر تستهدف طرح 5 شركات حكومية في البورصة قبل نهاية 2026 القدس العربي - الجزائر تدشن بناء شطرها من خط الغاز النيجيري الأوروبي- (صور) الجزيرة نت - بريطانيا تتهم والصين تندد.. معركة الاستخبارات والسرديات بين بكين ولندن الجزيرة نت - الجيش اللبناني يستعد للانتشار بـ"المناطق التجريبية" وحزب الله يرفض المفاوضات مع إسرائيل روسيا اليوم - بوتين: النزاع في أوكرانيا سينتهي قريبا إذا وافقت كييف على حلول تفاهمات أنكوريج إيلاف - فلسفة "الديلولو" والبحث عن المعنى في عصر تيك توك روسيا اليوم - قرارات عاجلة بحق رجل أعمال مصري والتحفظ على ثروات ضخمة العربي الجديد - التجربة والنضج: في جدلية الخسارة والحكمة روسيا اليوم - نجيب ساويرس يحذر من "كارثة" تهدد ثروات مصر وتسيء لسمعتها
عامة

وكيل الأزهر الدكتور محمد الضويني لـ"فيتو": التجديد لا يعني المساس بأصول العقيدة أو قطعيات الشريعة.. ملتزمون بالمنهج الوسطي ومنفتحون على قضايا العصر

بوابة فيتو
بوابة فيتو منذ 3 أشهر
1

المجتمع المصري يواجه حزمةً متشابكة من التحديات الدينية والفكرية.نقوم بدورٍ محوري في تجديد الخطاب الديني من خلال مساراتٍ متكاملة.التعليم الأزهري يساهم بشكل مباشر في ترسيخ قيم الوسطية والانتماء الوط...

ملخص مرصد
وكيل الأزهر الدكتور محمد الضويني يؤكد أن التجديد لا يعني المساس بأصول العقيدة أو قطعيات الشريعة، مشدداً على التزام الأزهر بالمنهج الوسطي والانفتاح على قضايا العصر. وفي حوار مع "فيتو"، تحدث عن دور الأزهر في تجديد الخطاب الديني وتطوير التعليم الأزهري والتعاون مع مؤسسات الدولة لمواجهة التحديات الفكرية والدينية التي يواجهها المجتمع المصري.
  • الأزهر يجدد الخطاب الديني دون المساس بأصول العقيدة أو قطعيات الشريعة
  • التعليم الأزهري يرسخ قيم الوسطية والانتماء الوطني لدى الطلاب
  • الأزهر يدرس تطبيق نظام "البكالوريا" مع وضع مصلحة الطالب فوق كل اعتبار
من: الدكتور محمد الضويني - وكيل الأزهر الشريف أين: مصر

المجتمع المصري يواجه حزمةً متشابكة من التحديات الدينية والفكرية.

نقوم بدورٍ محوري في تجديد الخطاب الديني من خلال مساراتٍ متكاملة.

التعليم الأزهري يساهم بشكل مباشر في ترسيخ قيم الوسطية والانتماء الوطني لدى الطلاب.

ندرس مسألة تطبيق نظام “البكالوريا”.

ونضع مصلحة الطالب فوق كل اعتبار.

الحفاظ على الهوية الأخلاقية لا يتعارض مع فهم تحولات العصر ومتغيراته.

الأزهر يفرق بين «النصوص القطعية» التي تمثل ثوابت الدين وبين «الاجتهادات البشرية».

نسعى أن يظل الأزهر وفيًّا لجذوره منفتحًا على عصره وقادرًا على تقديم إجابات مطمئنة تُرسّخ الثقة.

في وقتٍ يتعرض فيه المجتمع المصري لحزمةٍ من التحديات المتشابكة والمتسارعة، وتتقاطع فيه التأثيرات الثقافية والفكرية والإعلامية بصورة غير مسبوقة، تزداد الحاجة إلى صوتٍ علمي رصين يملك القدرة على التوجيه والتفسير وضبط المفاهيم، بعيدًا عن الانفعال أو التبسيط المخل، وهنا تتجه الأنظار بطبيعتها إلى الأزهر الشريف بوصفه المرجعية الدينية الأعرق، والحارس الأمين على منهج الوسطية والاعتدال، ففي لحظات التحول، لا يكون الدور الديني ترفًا فكريًا، بل ضرورة مجتمعية تسهم في تحصين الوعي، وتصحيح المفاهيم، وبناء خطاب متوازن يستوعب المستجدات دون أن يتخلى عن الثوابت، كما يظل تطوير التعليم الأزهري وتجديد أدوات الدعوة وتكامل الجهود مع مؤسسات الدولة عناصر أساسية في معادلة الحفاظ على الهوية وصناعة المستقبل.

“فيتو” التقت الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، في حوار خاص، للوقوف على رؤية الأزهر تجاه القضايا المعاصرة، وجهود المشيخة في تطوير الخطاب الديني، ومستقبل التعليم الأزهري، وآفاق التعاون في إدارة الشأن الديني المصري، في حديثٍ يكشف ملامح المرحلة المقبلة ويضع النقاط فوق الحروف في ملفات شديدة الأهمية… وإلى نص الحوار:

- في البداية.

كيف تقيّمون طبيعة التحديات الدينية والفكرية التي يواجهها المجتمع المصري في المرحلة الراهنة، وما أخطرها على وعي الناس؟في تقديري أن المجتمع المصري يواجه في هذه المرحلة حزمةً متشابكة من التحديات الدينية والفكرية، يمكن وصفها بأنها تحديات مركّبة تتداخل فيها التحولات المعرفية مع المتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية، ومن أبرز هذه التحديات فوضى تصدر غير المؤهلين للحديث في الدين عبر الفضاء الرقمي، حيث أصبحت المنصات الإلكترونية ساحة مفتوحة لكل من يتحدث في الدين دون تأهيل علمي أو مرجعية راسخة، مما أفرز قدرًا من البلبلة والخلط بين الثابت والمتغير، وبين القطعي والاجتهادي، وأدى إلى اضطراب في المفاهيم خاصة لدى الشباب، كما يبرز توظيف الدين في صراعات سياسية أو أيديولوجية، سواء عبر جماعات تتبنى خطاب الغلو والتشدد، أو عبر اتجاهات تدفع نحو تفريغ الدين من مضمونه القيمي والروحي، وكلا المسارين يمثل خطرًا على التوازن المجتمعي والهوية الوطنية.

- ما الدور الذي يقوم به الأزهر الشريف في تجديد الخطاب الديني، وكيف يمكن تحقيق هذا التجديد مع الحفاظ على الثوابت الدينية؟يقوم الأزهر الشريف بدورٍ محوري في تجديد الخطاب الديني من خلال مساراتٍ متكاملة تجمع بين التأصيل العلمي الرصين والانفتاح الواعي على قضايا العصر، فالأزهر يعمل على تطوير المناهج الدراسية في مختلف المراحل التعليمية بصورةٍ مستمرة، بما يعزّز ملكة التفكير النقدي وفقه المقاصد، ويرسّخ القدرة على التمييز بين الثابت والمتغير، كما يُعد الدعاة والأئمة عبر أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ، حيث تعقد برامج تدريبية متواصلة تربط بين النصوص الشرعية وواقع الناس، وتؤهل الداعية للتعامل مع القضايا المستجدة بلغة علمية رصينة وخطاب معاصر.

ويُفعّل الأزهر حضوره في الفضاء الرقمي بلغات متعددة لمخاطبة الشباب وتصحيح المفاهيم المغلوطة، إلى جانب دوره العالمي في مدّ جسور الحوار مع المؤسسات الدينية والفكرية، تأكيدًا لقيم التعايش والسلام، وترسيخًا لصورة الإسلام بوصفه دينًا للعمران لا للهدم، وللرحمة لا للعنف.

أما عن كيفية تحقيق التجديد مع الحفاظ على الثوابت، فإن التجديد يقوم على التمييز الدقيق بين ما هو قطعي ثابت لا يقبل التغيير، وبين ما هو اجتهادي متغير يخضع لاعتبارات الزمان والمكان والمصلحة المعتبرة شرعًا، فالتجديد لا يعني المساس بأصول العقيدة أو قطعيات الشريعة، وإنما يعني تجديد طرائق الفهم والعرض والاستنباط، وتفعيل مقاصد الشريعة في قضايا معاصرة بلغة يفهمها الناس وأدوات تناسب واقعهم، وبهذا المنهج الوسطي يتحقق التوازن: نحافظ على الثوابت التي تحفظ الهوية، ونجدد في الوسائل والأساليب بما يجعل الخطاب الديني أكثر تأثيرًا وارتباطًا بحياة الناس.

- في ظل انتشار الفتاوى غير المنضبطة عبر بعض المنابر الإعلامية والمنصات المختلفة، كيف يعمل الأزهر على ضبط الخطاب الديني وحماية المجتمع من الفوضى الفكرية؟نحن في الأزهر الشريف نضطلع بمسؤولية علمية ووطنية كبرى في ضبط مسار الخطاب الديني وحماية المجتمع من الفوضى الفكرية التي قد تنشأ عن الفتاوى غير المنضبطة أو الآراء الصادرة بغير تأهيل، ونؤكد دائمًا أن الفتوى مسؤولية شرعية دقيقة، لا يجوز أن يتصدر لها إلا من امتلك أدوات العلم والتزم بضوابط المنهج الأزهري الوسطي، ومن خلال هيئة كبار العلماء بالأزهر، ومجمع البحوث الإسلامية، ومركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، إلى جانب لجان الفتوى بالجامع الأزهر وفروعه في المحافظات، نعمل على تقديم الفتوى الموثوقة عبر قنوات رسمية معتمدة، ونحرص على الإجابة عن الأسئلة المعاصرة بلغة واضحة ومنضبطة تسدّ الفراغ الذي قد تستغله بعض الأصوات غير المؤهلة، كما يتابع مرصد الأزهر العالمي للرصد ما يُنشر من أفكار متطرفة أو شاذة، ويقوم بتفنيدها علميًا بالحجة والبرهان، وفي الوقت ذاته، فإننا لا نكتفي بالرد على الانحرافات، بل نركز على بناء الوعي والوقاية.

- ما رؤية الأزهر الشريف لمواجهة الفكر المتطرف من ناحية، وموجات التشكيك والإلحاد من ناحية أخرى، خاصة بين الشباب؟ينطلق الأزهر في مواجهة الفكر المتطرف وموجات التشكيك والإلحاد من رؤية متوازنة تقوم على الجمع بين المعالجة الفكرية العميقة، والبعد الإنساني والتربوي، مع إدراك خصوصية المرحلة العمرية للشباب وما تحمله من تساؤلات وقلق معرفي، فالتطرف في جوهره نتاج فهم مغلوط للدين، بينما غالبًا ما ينشأ الإلحاد والتشكيك من فراغ فكري أو صدمة معرفية لم تجد إجابة رشيدة تتوافق مع عقل وطبيعة السائل.

ومن أجل ذلك، أنشأ الأزهر عام 2018 وحدة «بيان» لمواجهة الإلحاد والفكر اللاديني بمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، لتكون أداة عملية لبناء وعي معرفي رصين للشباب، وتقديم إجابات علمية للتساؤلات الشائكة، مع توفير مساحات آمنة للحوار المباشر مع متخصصين في العقيدة والفلسفة وعلم النفس، أما فيما يتعلق بمواجهة الفكر المتطرف؛ فالأزهر يركز على تفنيد وتفكيك الخطاب المتشدد وكشف زيف تأويلاته للنصوص الشرعية، وإبراز مقاصد الإسلام العليا القائمة على الرحمة والعدل وصيانة النفس الإنسانية، ويعمل أيضًا على تجديد أدوات الخطاب الدعوي بحيث يخاطب الواقع المعاصر بلغة عقلانية متزنة، بعيدًا عن الجمود، مع التأكيد على أن الاختلاف لا يبرر العنف، وأن حماية الأوطان من صميم مقاصد الشريعة.

وبصفة عامة فنحن نؤمن أن كسب عقول الشباب لا يتحقق بالخطاب الوعظي المجرد، وإنما ببناء جسور الثقة، والاستماع إلى تساؤلاتهم بجدية، وتقديم نموذج ديني رحيم ومتوازن يعيد الاعتبار لقيم المعنى والغاية في حياة الإنسان، ومن خلال هذا النهج الشامل، يسعى الأزهر إلى حماية المجتمع من الانزلاق نحو التطرف أو الفراغ الفكري، وترسيخ وعي ديني يعزز الاستقرار ويصون الهوية، ويضمن أن يكون الخطاب الديني قوة بناء وفهم، لا ساحة للاضطراب أو الفوضى الفكرية.

- إلى أي مدى يسهم «التعليم الأزهري» اليوم في ترسيخ قيم الوسطية والانتماء الوطني، وما خطط تطويره لمواكبة تحديات العصر؟يسهم التعليم الأزهري بشكل مباشر في ترسيخ قيم الوسطية والانتماء الوطني لدى الطلاب، فالتعليم في الأزهر لا يقتصر على تلقين العلوم العربية والشرعية فحسب، بل يدمجها مع الثقافة العامة والمعارف الحديثة، بما يربط الطالب بهويته الوطنية ويغرس فيه قيم التسامح والتعايش واحترام الآخر والقانون والمجتمع، فالتعليم في الأزهر يمثل مشروعًا متكاملًا لتكوين الإنسان الواعي المنتمي لوطنه، القادر على التمييز بين الفكر الرشيد والدعوات الهدامة، ومواجهة التطرف والانغلاق بالفهم الصحيح للدين.

كما يعمل الأزهر على تطوير منظومة التعليم لمواكبة تحديات العصر عبر برامج تدريبية مستمرة للمعلمين والأئمة، ودمج الدورات والأنشطة الطلابية التي تعزز الانتماء الوطني والمواطنة الصالحة، مثل الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية والمسابقات العلمية التي تربط بين المعرفة والقيم، كما يسعى الأزهر -على الدوام -لتوظيف التقنيات الحديثة والمنصات الرقمية في العملية التعليمية، بما يتيح للطلاب التعلم بطريقة تفاعلية، ويضمن وصول الرسائل الوسطية وتعزيز الهوية الوطنية، مع حماية الشباب من الانزلاق نحو التطرف الفكري أو التبعية غير الواعية للخطابات السطحية.

- هل هناك نية لتطبيق نظام «البكالوريا» في التعليم الأزهري.

وما الجديد في امتحانات الثانوية الأزهرية هذا العام؟أود التأكيد على أن تطوير المنظومة التعليمية في الأزهر يأتي دائمًا في إطار حرصنا على مصلحة الطالب، مع الحفاظ على خصوصية التعليم الأزهري وهويته العلمية والتربوية، وفيما يتعلق بتطبيق نظام «البكالوريا»، فهو لا يزال قيد الدراسة من قبل اللجان المختصة بقطاع المعاهد الأزهرية لبحث مدى توافقه مع طبيعة التعليم الأزهري الذي يجمع بين العلوم العربية والشرعية والثقافية، ومن ثم لا يمكننا الحسم بشأن تطبيقه من عدمه إلا بعد استكمال الدراسة بشكل كامل.

أما بالنسبة لامتحانات «الثانوية الأزهرية» هذا العام، فنحن نواصل جهودنا لضبط منظومة الامتحانات وتيسير سبل الراحة للطلاب والطالبات داخل اللجان، فضلًا عن التشديد على ضمان تكافؤ الفرص بينهم، مع تطوير آليات التقييم بحيث تقيس الفهم والاستيعاب لا الحفظ والتلقين، كما نعمل على تعزيز الإجراءات التنظيمية والرقابية لضمان سير الامتحانات في أجواء من النزاهة والانضباط والشفافية.

ونحن نطمئن أبناءنا الطلاب وأولياء الأمور أننا نضع مصلحة الطالب فوق كل اعتبار، وأن أي خطوات تطويرية نقوم بها تستهدف رفع جودة العملية التعليمية، وضمان حصول الطالب على تقييم عادل يعكس مستواه الحقيقي، ويؤهله للمرحلة الجامعية بثقة وكفاءة، في إطار يحفظ للتعليم الأزهري مكانته ويصون رسالة الأزهر العلمية الوسطية.

- كيف ينظر الأزهر إلى دوره في معالجة بعض القضايا المجتمعية الملحّة، مثل التفكك الأسري، والعنف، وزيادة حالات الطلاق؟ينطلق الأزهر الشريف في معالجته للقضايا المجتمعية من كونه مؤسسة دينية تعليمية دعوية تتحمل مسؤولية الحفاظ على تماسك المجتمع واستقراره الأخلاقي والإنساني، فالأزهر يرى أن كثيرًا من الظواهر السلبية تعود إلى ضعف الوعي بالقيم الدينية والإنسانية، إلى جانب التحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يشهدها العالم المعاصر، ومن ثمّ يعمل على التصدي لهذه القضايا من خلال خطاب ديني متوازن يربط بين تعاليم الدين ومتطلبات الواقع، ويركز على ترسيخ قيم الحوار والتفاهم والرحمة داخل الأسرة، باعتبارها اللبنة الأولى في بناء مجتمع مستقر ومتماسك.

ويشارك الأزهر في تنفيذ فعاليات برنامج «الإرشاد الأسري والتنشئة المتوازنة» بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة في إطار المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية، ويقدم الأزهر استشارات علمية وأسرية وفتاوى دينية عبر مقراته المنتشرة في المحافظات، وينظم لقاءات توعوية داخل الجامعات والأندية ومراكز الشباب لنبذ العنف الأسري، بل ويمتد نشاطه التوعوي إلى المقاهي والأماكن العامة، تأكيدًا لحرصه على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع، وترسيخ الوعي القيمي الذي يعزز الاستقرار ويحمي الأسرة المصرية.

- ما موقف الأزهر من القضايا الأخلاقية والسلوكية التي تشغل الرأي العام، وكيف يمكن للدين أن يسهم في إصلاحها دون وصاية أو تشدد؟ينظر الأزهر الشريف في تعامله مع القضايا الأخلاقية والسلوكية من منطلق منهجه الوسطي الذي يجمع بين الثبات على القيم والانفتاح على الواقع، إدراكًا منه أن الحفاظ على الهوية الأخلاقية لا يتعارض مع فهم تحولات العصر ومتغيراته، فالأزهر لا ينفصل عن المجتمع، بل يتفاعل مع قضاياه بوعي ومسؤولية، مستندًا إلى أصوله العلمية الراسخة ورؤيته المتوازنة، كما أن الأزهر لا يتعامل مع القضايا الأخلاقية بمنطق الإدانة أو التشهير، وإنما بمنهج الإصلاح القائم على الفهم والتوعية وتصحيح المفاهيم، انطلاقًا من رسالته في صيانة الأخلاق العامة وحماية تماسك المجتمع، مع احترام خصوصية الأفراد وكرامتهم الإنسانية.

فالمقصد هو البناء لا الهدم، والإصلاح لا التضييق.

وفي تقديري أن كثيرًا من الظواهر السلبية تعود إلى خلل في منظومة الوعي، أو اضطراب في القيم والمفاهيم نتيجة الانفتاح غير المنضبط عبر الفضاء الرقمي، والجهل بعواقب السلوكيات الخاطئة، فضلًا عن تراجع بعض أدوار الرقابة الأسرية، وليس إلى غياب النصوص أو الأحكام، ومن ثمّ فإن العلاج لا يكون بالتشدد أو الوصاية، بل ببناء وعي رشيد يوازن بين الحرية والمسؤولية، ويعزز القيم الدينية بوصفها قوة دافعة للإصلاح، لا أداة للضغط أو الإقصاء.

فالدين في جوهره رسالة رحمة وهداية، يوجّه السلوك ويقوّم الانحراف بالحكمة والموعظة الحسنة.

ونحن في الأزهر نواجه الظواهر السلوكية الدخيلة من خلال تضافر جهود جميع قطاعات المؤسسة؛ بدءًا من التوعية المباشرة داخل المعاهد الأزهرية وكليات الجامعة، وصولًا إلى الحملات الإعلامية الممنهجة التي يطلقها المركز الإعلامي وسائر القطاعات، كلٌّ في نطاق اختصاصه وبأدواته المتنوعة، كما وظّفنا الوسائل الحديثة لتعزيز الخطاب التوعوي، عبر تدشين قناة «أزهر بودكاست» على المنصات الرقمية المختلفة، لتقديم محتوى مرئي ومسموع يستضيف نخبة من المتخصصين لمعالجة القضايا المستجدة؛ إيمانًا منا بأن التحصين الفكري يبدأ بتفعيل أدوات التوعية الشاملة، وتسخير التكنولوجيا في خدمة القيم الأخلاقية التي تعزز وعي الشباب وتصون هويتهم.

- كيف يوازن الأزهر بين الحفاظ على التراث الديني العريق والاستجابة للأسئلة الجديدة التي يفرضها الواقع المعاصر؟يوازن الأزهر الشريف بين الحفاظ على تراثه الديني العريق والاستجابة لأسئلة الواقع المعاصر من خلال منهج علمي راسخ يقوم على التمييز بين الثوابت والمتغيرات؛ فالثوابت العقدية والقطعية محلُّ حفظٍ وصيانة، لا تقبل التبديل أو المساومة، أما المسائل الاجتهادية وقضايا الواقع المتجددة فهي مجال رحب للنظر والاجتهاد في ضوء أصول الشريعة ومقاصدها الكلية.

والأزهر لا يتعامل مع التراث بوصفه نصوصًا جامدة تُستدعى بمعزل عن سياقاتها، ولا مع الحداثة باعتبارها قطيعة مع الماضي، بل ينظر إلى التراث باعتباره خبرة علمية متراكمة تمدّنا بأدوات الفهم والمنهج، وتمنحنا القدرة على الاجتهاد الرشيد، ونحن نُفرّق بوضوح بين «النصوص القطعية» التي تمثل ثوابت الدين، وبين «الاجتهادات البشرية» التي كانت ابنة زمانها ومكانها، ومن ثم تقبل المراجعة والتطوير في إطار الأصول، وفي هذا السياق نحرص على تدريب الأئمة والوعاظ على هذه المنهجية المتوازنة، بما يجعلهم أكثر قدرة على التفاعل مع قضايا العصر بعقلية علمية منضبطة.

كما أن الاستجابة لأسئلة الواقع لا تعني إلغاء التراث، وإنما تفعيله في ضوء مقاصده ومآلاته، من خلال إعمال المقاصد الكلية للشريعة والاجتهاد المعاصر الذي يراعي تغير الأحوال، ويتجلى ذلك في جهود الهيئات العلمية بالأزهر في تناول قضايا الذكاء الاصطناعي، والمعاملات المالية الحديثة، والمسائل الطبية المستحدثة، بما يجعل الخطاب الديني حاضرًا في حياة الناس، محققًا لمصالحهم، من غير إخلال بالأصول أو تفريط في الهوية، فالتوازن الذي ننشده هو أن يظل الأزهر وفيًّا لجذوره، منفتحًا على عصره، وقادرًا على تقديم إجابات مطمئنة تُرسّخ الثقة وتؤكد حيوية الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان.

- ما طبيعة التنسيق القائم بين الأزهر الشريف ومؤسسات الدولة المختلفة في إدارة الشأن الديني، وما مجالات تطوير هذا التعاون؟ينطلق التنسيق بين الأزهر الشريف ومؤسسات الدولة من فهمٍ مشترك لطبيعة المرحلة وحجم التحديات، فإدارة الشأن الديني ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، بل هي مسؤولية وطنية تتكامل فيها الأدوار وتتناغم فيها الجهود، ومن هذا المنطلق، يقوم التعاون على قاعدة الاحترام المتبادل للاختصاصات، مع توحيد الرؤية في القضايا الكبرى التي تمس الوعي العام، وحماية المجتمع من التطرف أو الفوضى الفكرية.

ويظهر هذا التنسيق في مجالات متعددة؛ منها التعاون مع وزارة الأوقاف في ضبط الخطاب الدعوي وتأهيل الأئمة، والتنسيق مع وزارة التربية والتعليم في القضايا المتعلقة بالهوية والقيم، والعمل المشترك مع وزارة الداخلية والجهات المعنية في دعم الاستقرار المجتمعي ومواجهة الفكر المتطرف، والتعاون مع وزارة الشباب والرياضية في التوعية الدينية وعقد الندوات والمبادرات الشبابية، فضلًا عن التعاون مع المؤسسات الثقافية والإعلامية في نشر الوعي وتصحيح المفاهيم، كما يمتد هذا التعاون إلى المشاركة في المبادرات الوطنية الكبرى التي تستهدف دعم الأسرة، وتمكين الشباب، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء.

- أخيرًا، ما الرسالة التي يوجّهها فضيلة الدكتور محمد الضويني للمجتمع المصري لتعزيز القيم الدينية والأخلاقية في هذه المرحلة؟أوجّه رسالتي إلى أبناء المجتمع المصري كافة بأن الحفاظ على القيم الدينية والأخلاقية مسؤولية مشتركة لا تقع على عاتق مؤسسة بعينها، بل هي أمانة في أعناق الأسرة، والمدرسة، والإعلام، وسائر مؤسسات الدولة، فالقيم لا تُصان بالشعارات، وإنما تُغرس بالقدوة الحسنة، وبالوعي الصحيح الذي يربط بين الإيمان والعمل، وبين الانتماء الوطني والديني، وإننا أحوج ما نكون في هذه المرحلة إلى ترسيخ معاني الصدق، والأمانة، واحترام الآخر، وصون الأسرة، وبناء جيلٍ يعتز بدينه ووطنه، ويعي أن قوة المجتمع في تماسكه وأخلاقه.

وأؤكد لكم أن الأزهر الشريف سيظل سندًا لهذا المجتمع، حارسًا لهويته، ومرشدًا إلى المنهج الوسطي الذي يجمع بين الثبات على القيم والانفتاح الواعي على العصر، وأدعو شبابنا على -وجه الخصوص-إلى تحكيم العقل، وعدم الانسياق وراء الشائعات أو الدعوات الهدامة، وأن يستقوا معارفهم من مصادرها الموثوقة، وأن يجعلوا من أخلاقهم عنوانًا لهويتهم، فبالعلم والوعي والعمل المشترك نستطيع أن نحافظ على استقرار وطننا، ونبني مستقبلًا يليق بمصر وتاريخها ومكانتها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك