تواجه أوروبا واحدة من أعنف أزماتها الصناعية منذ عقود، إذ تتعرض القطاعات الثقيلة، ولا سيما الحديد والصلب والورق والأسمدة لضغوط متزايدة نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل التوريد وتراجع القدرة التنافسية أمام آسيا والولايات المتحدة.
ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، حذرت مؤسسات أوروبية من دخول القارة مرحلة جديدة من عدم اليقين، بعدما أعادت الحرب في إيران شبح أزمة الطاقة ورفعت أسعار الغاز إلى مستويات مقلقة، وفق تقارير اقتصادية حديثة.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن قطاع الصناعات التحويلية في منطقة اليورو دخل عام 2026 تحت ضغوط متنامية، وفي هذا السياق، أكد تقرير صادر عن أكسفورد إيكونوميكس أن ألمانيا ستكون الأكثر تأثراً بين الاقتصادات الأوروبية الكبرى، نظراً لاعتمادها الواسع على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيماويات والسيارات والهندسة الميكانيكية.
وتُظهر تقييمات بنوك أوروبية أن المصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة تعمل في العديد من الدول دون طاقتها الكاملة أو خفضت خطوط إنتاجها، بينما تؤكد مراكز أبحاث أن اعتماد أوروبا الكبير على واردات الطاقة يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط والغاز.
وتشهد صناعة الحديد والصلب الأوروبية موجة إغلاقات غير مسبوقة مع خفض شركات كبرى لإنتاجها أو إيقاف أفران بالكامل بسبب ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء، بينما تواجه فرنسا وإيطاليا وإسبانيا التحديات ذاتها.
وفي هذا الإطار، أوضح الباحث في مركز بروغل للأبحاث سيموني تاليابيترا أن مخزونات الغاز الأوروبية في نهاية الشتاء جاءت أقل بكثير من متوسط السنوات السابقة حيث بلغت 46 مليار متر مكعب فقط في نهاية شباط، مقابل 60 ملياراً العام الماضي، مشيراً إلى أن أي اضطراب في عملية إعادة الملء قد يعقد خطط التوريد، ويرفع تكاليف الطاقة على الصناعة.
ويشكل تعطل صادرات الغاز القطري عبر مضيق هرمز صدمة إضافية للأسواق الأوروبية، إذ تعتمد القارة على الغاز الطبيعي المسال القطري لتعويض جزء من النقص الناجم عن تراجع الإمدادات الروسية.
ويؤكد مهدي طويل، خبير الغاز المسال في شركة كاليبسو كوموديتيس، أن الحصار الإيراني للمضيق أدى إلى احتجاز أكثر من 83 مليون طن من إمدادات الغاز المسال، في أكبر صدمة للسوق منذ توقف روسيا عن تصدير الغاز إلى أوروبا عام 2022.
وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن تعطل الممر قد يهدد نحو 20 بالمئة من تجارة الغاز المسال العالمية، إضافة إلى مرور خمس الإمدادات النفطية عبره، ما يعني أن أي اضطراب طويل الأمد سينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج في أوروبا.
وتواجه أوروبا أزمة مركبة تتداخل فيها ارتفاعات أسعار الطاقة مع اضطراب الممرات البحرية وتوقف الإمدادات، وفي هذا السياق، حذرت ماريا بيلوفا مديرة الأبحاث في شركة “إمبلمنتا” الاستشارية من أن أي اضطراب طويل الأمد في المضيق وانسحاب 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية قد يؤدي إلى عجز في أوروبا يصل إلى 40 مليار متر مكعب وارتفاع في الأسعار يعادل أزمة عام 2022.
وسجلت العقود الآجلة للغاز مستويات قياسية، وأشارت بيلوفا إلى أن الوصول إلى مستوى تخزين يبلغ 90 بالمئة بحلول تشرين الأول يبدو مهمة صعبة في ظل التوقف التدريجي عن الغاز الروسي المسال واحتمال تراجع واردات الغاز من قطر والإمارات بسبب إغلاق هرمز، ولا سيما في حال شهدت القارة صيفا حاراً.
ويرى محللون أن استمرار الأزمة يعيد تشكيل الخريطة الصناعية للقارة، مع انتقال تدريجي للصناعات الثقيلة نحو مناطق أكثر استقراراً، الأمر الذي يهدد بفقدان آلاف الوظائف في قطاعات إستراتيجية.
وتدفع هذه التطورات نحو موجة إغلاقات صناعية قد تغير شكل الاقتصاد الأوروبي لسنوات، مع تسارع التحول نحو الطاقة المتجددة وتعديل سلاسل التوريد وتراجع الصناعات الثقيلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك