تواجه موسوعة" ويكيبيديا" (Wikipedia)، أكبر مستودع رقمي للمعرفة البشرية المشتركة، تحديا غير مسبوق يهدد موثوقيتها، بعد اكتشاف موجة من" الهلوسات" المعلوماتية التي تسببت بها أدوات الترجمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
وأفادت تقارير استقصائية، أبرزها ما نشره موقع" ميديا فور زيرو فور" (404 Media) المتخصص في قضايا التكنولوجيا والخصوصية، بأن محررين في الموسوعة رصدوا أخطاء فادحة وتزييفا للمصادر في مقالات مترجمة آليا، مما استدعى فرض قيود صارمة على عدد من المساهمين.
وتتمثل خطورة هذه الظاهرة التي تُعرف تقنيا بـ" هلوسة الذكاء الاصطناعي" (AI Hallucinations)، وهي ميل النماذج اللغوية لتوليد معلومات كاذبة بدقة لغوية مقنعة، تتمثل في قدرة الآلة على اختلاق مراجع وهمية.
ويروي المحرر في ويكيبيديا إلياس ليبلو كيف اكتشف أن مقالا مترجما عن عائلة أرستقراطية فرنسية استشهد بكتاب محدد وصفحة دقيقة، لكن بالفحص تبين أن تلك الصفحة لا تمت للموضوع بصلة، بل كانت من نسج" خيال" الخوارزمية.
وأشار تقرير للمجلة التقنية الأمريكية العريقة" بي سي وورلد" (PCWorld) إلى أن الأزمة تفاقمت بسبب نشاط منظمة غير ربحية تُدعى" جمعية المعرفة المفتوحة" (OKA)، والتي كانت تقدم مكافآت مالية لمترجمين في دول الجنوب العالمي لزيادة المحتوى بلغاتهم المحلية.
وتبين أن هؤلاء المترجمين، سعيا للسرعة، اعتمدوا بشكل مفرط على نماذج مثل" شات جي بي تي" و" غوغل جيميناي" دون مراجعة بشرية دقيقة، مما أدى لتدفق نفايات رقمية (المحتوى الرديء) مشبعة بالأخطاء التاريخية والجغرافية.
وبحسب موقع" ميديا فور زيرو فور" وأمام هذا" الغزو الخوارزمي"، اتخذت مجتمعات المحررين في ويكيبيديا إجراءات وصفتها بالضرورية لحماية إرث الموسوعة، شملت:
حظر المترجمين: وذلك من خلال تطبيق ما يعرف بسياسة" الأخطاء الخمسة"، حيث يجري حظر أي مساهم يثبت ارتكابه لـ5 أخطاء جسيمة ناتجة عن استخدام غير مراقب للذكاء الاصطناعي، من المشاركة في الموسوعة.
مسح المحتوى: حذف آلاف المقالات المترجمة التي لم تخضع لتدقيق بشري، ما لم يتبنَّ محرر خبير مسؤولية مراجعتها وتصحيحها.
التدقيق المتقاطع: إلزام المشاركين بتمرير الترجمات عبر" بروتوكولات مقارنة" خاصة للكشف عن التناقضات بين النص الأصلي والنص المترجم.
من جانبه، علّق جيمي ويلز، المؤسس المشارك لويكيبيديا والذي يوصف بالمدافع الشرس عن جودة المحتوى البشري، بأن الذكاء الاصطناعي يمثل" طفرة كبيرة لكنه يظل عرضة للخطأ"، مؤكدا أن الموسوعة تعتمد على" العنصر البشري" في التقييم وبناء السياق الثقافي الذي تعجز عنه الماكينة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك