العالم يتغيّر بوتيرة متسارعة غير مسبوقة، ومع ذلك تبدو بعض الخطابات السياسية وكأنها خرجت من متحف التاريخ، لا من واقع القرن الحادي والعشرين.
ما زالت هناك قوى سياسية ونخب فكرية تتعامل مع الأيديولوجيا باعتبارها «نصاً مقدساً» لا يجوز الاقتراب منه، أو تعديله، أو حتى مراجعته.
ولكن التجربة التاريخية الطويلة أثبتت أن ما تسمى بـ«الثوابت الأيديولوجية» غالباً ما تتحول إلى عبءٍ ثقيل على الدول والمجتمعات، عندما تستخدم بدلاً عن التفكير الواقعي، أو ذريعةً للهروب من ضرورات التغيير، وليس كمنطلق فكري، أو منهج يمكن الاهتداء به.
والحقيقة المؤكدة أن المشكلة لا تكمن في وجود الأفكار أو المبادئ، فكل نظام سياسى يحتاج إلى منظومة قيمية توجه سياساته وتحدد رؤيته للعالم.
لكن الخلل يبدأ عندما تتحول هذه المبادئ إلى قوالب جامدة، يتم فرضها على الواقع مهما تغيّر، بدلاً من أن تتطور مع تغير الظروف، وهنا تتحول الأيديولوجيا من أداة للفهم إلى قيدٍ يمنع الفهم، ومن وسيلة لتنظيم الواقع إلى وسيلة لإنكار الواقع نفسه.
وشهد القرن الماضي نماذج عديدة لدول حكمتها أيديولوجيات جامدة تأبى التعديل، وبعض هذه النماذج رفع شعارات العدالة الاجتماعية المطلقة، وبعضها رفع رايات السوق الحرة المطلقة أيضاً، وبعضها تبنى رؤى قومية أو دينية مغلقة.
وكان القاسم المشترك بينها جميعاً هو الاعتقاد بأن لديها «الحقيقة النهائية» التي لا يجوز مراجعتها، ومع مرور الوقت اكتشفت هذه الأنظمة أن الواقع أكثر تعقيداً من أى نظرية سياسية أو اقتصادية.
في السياسة، رأينا كثيراً أن الأيديولوجيا الجامدة قادت إلى مواقف متصلبة تعجز عن التكيف مع المتغيرات الدولية.
وبداهة فإن العلاقات بين الدول لا تسير بالشعارات، وإنما بحسابات المصالح، وحين تتمسك دولة ما برؤية أيديولوجية ضيقة، فإنها قد تجد نفسها معزولة عن التحولات الكبرى في النظام الدولى الذي نرى إعادة تشكيله بالعين المجردة.
والدول الأكثر توفيقاً هي تلك التي تدير سياستها الخارجية بقدر من الواقعية، ومصر في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى هى النموذج الأوضح في ذلك، حيث توازن بين المبادئ والمصالح، وتعرف متى تتمسك بمواقفها ومتى تعيد النظر فيها.
الأمر ذاته ينطبق على الاقتصاد، فالتجربة العالمية أثبتت أن الاقتصاد لا يستجيب للوصايا الأيديولوجية بقدر ما يستجيب للقواعد العملية، والواقع على الأرض.
والدول التي حاولت إدارة اقتصادها وفق وصفات عقائدية صارمة -سواء كانت اشتراكية خالصة أو رأسمالية متطرفة- اكتشفت في النهاية أن النجاح الاقتصادى يتطلب مزيجاً مرناً من الأدوات والسياسات.
والدولة -أى دولة- قد تحتاج إلى تدخل قوى في بعض القطاعات، بينما تترك المجال للسوق في قطاعات أخرى، وقد تضطر إلى إعادة توزيع الموارد في لحظة ما، ثم تشجع الاستثمار الخاص في لحظة أخرى.
النموذج الاقتصادى الأكثر نجاحاً في العالم اليوم هو ذلك الذي يوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، دون أن يقع أسير معادلات أيديولوجية جامدة، وهذا التوازن لا يتحقق عبر الشعارات، ولكن عبر سياسات عملية قابلة للتعديل والتطوير.
ربما يكون المجال الإدارى هو أكثر المجالات التي تكشف خطورة التفكير الأيديولوجى الجامد، فالإدارة بطبيعتها علم عملى يقوم على التجربة والتقييم المستمر، وعندما تتحول إلى ساحة لتطبيق أفكار عقائدية ثابتة، فإنها تفقد مرونتها وقدرتها على الابتكار.
والمؤسسات الحديثة تحتاج إلى نماذج إدارة ديناميكية، قادرة على التكيف مع التطور التكنولوجى المتسارع، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة.
فى المقابل، فإن نموذج «الحكم الرشيد» الذي ينجح في عالم اليوم هو ذلك الذي يقوم على مبدأ «المرونة الاستراتيجية»، بمعنى امتلاك القدرة على الاحتفاظ بالأهداف الكبرى للدولة، مع تغيير الوسائل كلما اقتضت الظروف.
هذا النموذج لا ينطلق من فكرة أن هناك طريقاً أحادياً صحيحاً للحكم، ولكن من قناعة بأن إدارة الدولة عملية معقدة -وليست شركة- تتطلب مزيجاً من الخبرة والواقعية والتجربة المستمرة.
والدول التي استطاعت تحقيق قفزات تنموية كبرى خلال العقود الأخيرة -الصين نموذجاً- لم تفعل ذلك لأنها امتلكت أيديولوجيا أكثر إقناعاً، بل لأنها امتلكت قدرة أعلى على التعلم والتكيف، وتعاملت مع السياسات الاقتصادية والإدارية باعتبارها أدوات قابلة للتطوير، لا عقائد ثابتة.
وكانت مستعدة لتغيير مسارها كلما اكتشفت أن الطريق الذي تسير فيه لم يعد مناسباً.
وقد يتصور البعض أن نقد «أوهام الثوابت الأيديولوجية»، ليس سوى دعوة إلى الفراغ الفكرى أو التخلى عن المبادئ، والصحيح أن ذلك يعنى -ببساطة- أهمية إدراك أن الأفكار يجب أن تخدم الواقع، لا أن يتحول الواقع إلى رهينة للأفكار.
الحكم الرشيد ليس اختباراً للولاء للأيديولوجيات، لكنه اختبار للقدرة على تحقيق مصالح المجتمع في عالم دائم التغير، ومن يثبت في مكانه سيتخلف.
هنا يكمن التحدى الحقيقى أمام أى دولة تسعى إلى النجاح في عصرنا، بأن تبنى نموذج حكمٍ يمتلك بوصلة واضحة، لكنه لا يسير بعينين مغمضتين خلف خرائط قديمة، نموذجاً يدرك أن الثابت الحقيقى ليس الأيديولوجيا، بل مصلحة الدولة وقدرتها على التكيف مع المستقبل وليس الحاضر فقط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك