إربد – على تلة بارزة تشرف بوقار على سهل حوران والهضبة الشمالية الأردنية، تقف" بيت راس" شاهدة على فصول ضاربة في القدم من تاريخ البشرية، المدينة التي كانت يوما ما عضوا بارزا في حلف" الديكابوليس" الروماني، تختلط فيها حجارة العصر الهلنستي بعبق الحضارة الرومانية والبيزنطية، وصولا إلى العصر الإسلامي.
اضافة اعلان.
إلا أن هذا الإرث العظيم ما يزال رهين باطن الأرض، إذ يؤكد مختصون أن ما كُشف عنه حتى الآن لا يتجاوز 10 % من حجم المدينة الحقيقي (كابيتولياس القديمة)، ما يجعلها" خزينة أثرية" كبرى تنتظر من يزيح عنها التراب لتبوح بأسرارها الكاملة.
كابيتولياس.
مركز الثقل الديني والسياسي.
وبحسب مختصين فإن الموقع يقدم رؤية شاملة لتاريخ المنطقة، إذ يعكس استمرار الاستيطان البشري، والتحولات الاقتصادية والثقافية التي مرت بها شمال بلاد الشام على مدار القرون، ويعد مثالا نادرا على الدمج بين الطبيعة والموقع الاستراتيجي الذي منح المدينة دورا سياسيا وتجاريا بارزا عبر العصور.
تبين المهندسة المتخصصة في السياحة المستدامة آلاء عبابنة أن بيت راس تمثل امتدادا حضاريا لمدينة كابيتولياس الرومانية، التي تأسست في عهد الإمبراطور تراجان أواخر القرن الأول الميلادي، وكانت تُعرف باسم “جوبتير كابيتولينوس” نسبة إلى المعبد الرئيس فيها، مضيفة: " هذا الاسم يعكس الأهمية الدينية والسياسية للمكان، ويظهر كيف كانت المراكز الدينية جزءا لا يتجزأ من تخطيط المدن الرومانية.
".
وتشير عبابنة إلى أن التسمية الحالية" بيت راس" تعكس الطبيعة الجغرافية المرتفعة للموقع، ما منحه ميزة إستراتيجية دفاعية وتجارية عبر العصور، كما يوضح الموقع ازدهار النشاط الزراعي والصناعي، خاصة صناعة الخمور والمعاصر الموجودة في الجهة الجنوبية، ما يدل على وجود اقتصاد متنوع ومستدام يدعم السكان المحليين ويعكس تقاليدهم الزراعية والصناعية.
ويشير الباحث في مجال الآثار محمد الطعاني إلى أن بيت راس تتميز بمعالم معمارية فريدة من نوعها، أبرزها المسرح الروماني الذي يضم بقايا لوحات فريسكو ملونة، وزخارف حجرية دقيقة، ونقوشا يونانية غنية بالمعلومات عن أساليب الحياة والفن في تلك الحقبة.
ويضيف، إن المسرح يحتوي أيضا على ثلاث كهوف في منطقة الأوركسترا، ونظام تصريف مياه متكامل يوضح براعة المهندسين الرومان في إدارة الموارد المائية، مبيّنة أن هذا المسرح لا يمثل مجرد بناء للعرض الفني، بل يشكل انعكاسا للحياة الاجتماعية والثقافية للمدينة، حيث كانت تجمعات السكان تعكس تماسك المجتمع واهتمامه بالفنون والتعليم.
ويتابع أن وجود أبراج على جانبي المسرح يعتبر سمة نادرة لم تر في غالبية المسارح الرومانية بالمنطقة، ما يمنح الموقع طابعا معماريّا فريدا ويعكس مستوى عاليا من الابتكار الهندسي، حيث لم يقتصر التصميم على الجماليات بل شمل وظائف دفاعية وإدارية محتملة، وأن هذه الأبراج ربما كانت تستخدم للمراقبة أو لمتابعة الحشود، ما يشير إلى ذكاء التخطيط المدني في تلك الفترة.
ويشير الطعاني إلى البركة الحجرية الضخمة بسعة تقارب 22 ألف متر مكعب، والمزودة بنظام فلترة متطور بالنسبة لعصرها، إذ لم تكن مجرد منشأة لتخزين المياه، بل كانت جزءا من شبكة معقدة تدل على مستوى استراتيجي متقدم في هندسة الموارد الطبيعية، ما يدل على إدراك القدماء لأهمية إدارة المياه في حياة المدينة والزراعة، حيث كان للمياه دور محوري في دعم الصناعات الصغيرة والزراعية.
ويرى الناشط في مجال الآثار محمد دلقموني أن بيت راس اكتسبت بعدا حضاريا مميزا بفضل موقعها الإستراتيجي المطل على سهل حوران والهضبة الشمالية، ما منحها أهمية سياسية واقتصادية على مر العصور.
وكانت المدينة بمثابة مركز تجاري وعسكري، حيث جمع الموقع بين سهولة الوصول إلى طرق التجارة الإقليمية والقرب من الموارد الطبيعية الغنية، ما ساعدها على البقاء نشطة ومزدهرة على الرغم من تقلبات التاريخ.
ويشير إلى أن المدينة تحتفظ بطبقات حضارية متعاقبة من العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، ما يعكس استمرارية الاستيطان البشري والتنوع الثقافي فيها.
هذه الطبقات تكشف كيف تفاعل السكان مع التغيرات السياسية والاقتصادية على مر القرون، وكيف حافظوا على معمارهم وابتكاراتهم رغم الأحداث التاريخية المختلفة.
ومن أبرز الاكتشافات أيضا المدرج الروماني المنحوت جزئيا في الصخر، والذي كان يتسع لنحو 3 آلاف شخص، إلى جانب البركة الصخرية التي تعكس أساليب متقدمة في الحصاد المائي، ومقبرة كهفية تحتوي على لوحات فريسكو ونقوش يونانية، وشبكة أنفاق وممرات تحت الأرض التي ما تزال تحتاج لدراسة معمقة.
وهذه العناصر مجتمعة تعطي الباحثين نافذة على الحياة الاجتماعية والدينية في المدينة، وتوضح مدى التعقيد والتنوع في البناء المدني والهندسي القديم.
ويشير الناشط في مجال السياحة أحمد عبيدات إلى أن بيت راس تعد من أهم مدن حلف الديكابوليس، وقد أدرجها المؤرخ الروماني بلينيوس الأكبر ضمن قائمة المدن العشر، ما يدل على مكانتها التاريخية وأهميتها السياسية والاقتصادية في تلك الفترة.
ولم تكن المدينة مجرد موقع سكني، بل كانت مركزا حضريا متكاملا يضم المباني الدينية، والأسواق، والمعارض الفنية التي عكست الحياة الاقتصادية والاجتماعية لسكانها.
ويؤكد أن المدرج الروماني يتسع لنحو 1500 متفرج وقد نُحت من الحجر الجيري المحلي ليندمج بانسجام مع الطبيعة المحيطة، ما يعكس أسلوب البناء الروماني الذي يوازن بين الجمال الوظيفي والتوافق البيئي.
ولم يكن المدرج مجرد مكان للعرض، بل شكّل منصة لتفاعل المجتمع المحلي في المناسبات العامة والدينية والثقافية، وهو دليل على أهمية الحياة الاجتماعية والفنية في المدينة.
يؤكد الطعاني على أن الموقع ما يزال بحاجة إلى المزيد من أعمال التنقيب والبحث العلمي، فالكثير من الكنوز الأثرية والمباني الدينية والمدنية لم تكتشف، ونسبة الاكتشاف لم تتجاوز 10 %.
ويحذر دلقموني من التوسع العمراني العشوائي القريب من الموقع، مشددا على ضرورة وضع خطة وطنية للحماية، تشمل تحديد حدود واضحة للمناطق الأثرية غير المكتشفة، وتعزيز الرقابة، وتطوير البنية التحتية السياحية، بحيث يصبح الموقع مقصدا سياحيا مستداما يدعم الاقتصاد المحلي ويوفر فرص عمل للشباب مع الحفاظ على إرث تاريخي غني.
وتؤكد عبابنة أن الموقع يحتاج إلى تعزيز النظافة والصيانة الدورية، مشددة على أن تراكم المخلفات قد يؤدي إلى تدهور المواد الأثرية وتشويه المشهد العام، مشيرة إلى ضرورة إشراك المجتمع المحلي والطلبة في حملات تنظيف دورية، وإنشاء لوحات إرشادية وحاويات نفايات كافية.
وتضيف، إن ربط الموقع ببرامج السياحة المستدامة سيعزز من جاذبيته ويخلق فرص عمل للسكان المحليين، ويحول بيت راس إلى نموذج يحتذى به في الجمع بين الحفاظ على التراث وتنمية الاقتصاد المحلي، مع إشراك المجتمع المحلي في عملية حماية الإرث الحضاري.
ويشير عبيدات إلى أن الموقع يخفي تحت الأرض معالم دينية ومدنية أخرى لم تكتشف بعد، مثل معابد صغيرة، وقنوات تصريف، ومنازل سكنية، ما يعزز فهمنا لدور المدينة في الدفاع والتجارة والزراعة، ويكشف كيف تطورت الشبكات العمرانية مع مرور الزمن.
ويرى عدد من أهالي المنطقة أن المدينة الأثرية تحمل إرثا تاريخيا يمتد لآلاف السنين، مما يتطلب الالتفات لهذا الموقع وتطويره سواء على صعيد البنية التحتية أو النهوض به سياحيا.
ويبين المواطن أبو خالد الشوحة أن موقع بيت رأس الأثري يعاني من" عزلة سياحية" رغم قربه من مدينة إربد، مطالبا بضرورة إنشاء مسارات سياحية واضحة وتعبيد الطرق المؤدية للموقع وتزويدها باللوحات الإرشادية والتعريفية بلغات متعددة.
ويقول: " بيت راس ليست مجرد موقع أثري، بل قصة نعيشها كل يوم، فأهالي المنطقة يشعرون بالحزن لأن المدينة لا تحظى بالاهتمام الكافي مقارنة بمواقع أخرى في الأردن"، مضيفا أن الزوار الذين يصلون إلى الموقع يفاجؤون بجمال الإطلالة وروعة المسرح الروماني، “لكنهم يسألون دائما: لماذا لا توجد خدمات كافية أو لوحات تعريفية حديثة؟ ”، مؤكدا أن تطوير البنية التحتية سيشجع السياحة الداخلية ويخلق فرص عمل للشباب.
ويشدد الشوحة على أهمية توفير الخدمات الأساسية للسياح، مثل مراكز الزوار، والمرافق العامة، واستراحات تتناسب مع هوية المكان التاريخية، مما يشجع المجموعات السياحية على وضع بيت راس ضمن برامجها السياحية.
ويؤكد الشاب محمد هيلات أن بيت راس يمكن أن تتحول إلى نقطة جذب سياحي حقيقية إذا جرى استثمارها ضمن مسار سياحي يشمل شمال الأردن، مبينا أن البلدة تفتقر إلى مشاريع سياحية صغيرة مثل الأكشاك التراثية أو المرافق الخدمية التي قد توفر دخلا للأسر وتحويل الموقع إلى محرك تنموي يوفر فرص عمل للشباب، مشكلا فرصة ذهبية لأبناء المنطقة.
ويحذر من التوسع العمراني القريب من الموقع، مؤكدا أن بعض المناطق الأثرية غير المكشوفة قد تتعرض للضرر إذا لم يتم تحديد حدود واضحة لها، مطالبا الجهات المعنية بوضع إشارات تحذيرية وتكثيف الرقابة.
يقول هيلات: " من أبرز الهواجس التي يطرحها السكان هي قضية الحماية والصيانة، إذ يطالب الأهالي بتكثيف الحراسة على المواقع المكشوفة لحمايتها من العبث أو التنقيب غير المشروع عن الدفائن"، مطالبا بضرورة وضع خطة طوارئ لئلا تتأثر الاكتشافات الحديثة بالعوامل الجوية أو الزحف العمراني الذي بدأ يلتهم أجزاء من المحيط الأثري.
ورغم هذه المطالبات بإنصاف المدينة أثريا وسياحيا، رفض مدير آثار إربد بالوكالة، محمد البشابشة، الإدلاء بأي تصريح لـ" الغد"، معللا ذلك بحظر نشر المعلومات دون موافقة خطية رسمية من المدير العام للدائرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك