في غزّة، حيث أصبح البقاء على قيد الحياة حدثاً يومياً يُحتفى به، لا تَختبر الحرب الأجساد فقط، بل تختبر الأرواح أيضاً.
هناك، في بيت حانون شمالي القطاع، وجدت لينا الزعانين نفسها فجأة أمام امتحان قاسٍ: أن تكون أمّاً، ومعالجة نفسية، وناجية من تحت الركام في آن واحد.
في مدينة تحوّلت بيوتها إلى غبار، وأحياؤها إلى خرائط من الخراب، كانت لينا تحاول أن تكون الحاجز الأخير بين بناتها والخوف.
لم تكن شاهدة على الألم فحسب، بل كانت أيضاً تحاول أن تمنع الانكسار من الوصول إلى قلوبهن.
تقول لينا إنّ اللحظة التي انهار فيها بيتها كانت أقرب إلى صدمة صامتة: " بدأ القصف فجأة، وكلّ شيء انهار فوق رؤوسنا.
وجدنا أنفسنا تحت الركام.
كنت أصرخ وأحاول رفع الحجارة عن بناتي، وسط الغبار والدخان ورائحة الموت".
لم تكن تعرف حينها من بقي حيّاً ومن فقدته بالحرب.
الدماء والحطام يُحيطان بالمكان، والصراخ يتردّد بين الجدران المُنهارة.
أصيبت في ظهرها أثناء محاولتها إخراج بناتها، لكن الألم لم يكن أهم ما يشغلها؛ كانت تريد فقط أن تتأكد أنهن ما زلن على قيد الحياة.
الاسم المكتوب على الجدار ليس تهديدًا، بل علامة على الوجود.
وسط الفوضى، ظهر رجل لا تعرفه.
حمل إحدى بناتها وقال لها: " هذه بأمانتي".
تقول إنّ تلك اللحظة بدت وكأنها خيط نجاة في بحر من الرعب.
وصلت الطفلة إلى المستشفى، بينما كانت الأم تركض خلفها بين سيارات الإسعاف والركام.
لكن النجاة من تحت الركام لم تكن نهاية القصة.
فبعد أيام، لجأت لينا وبناتها إلى بيت أختها، ظناً أنهن وجدن مأوى آمناً.
غير أنّ الحرب لم تترك لهن حتى هذا الوهم.
فبعد وقت قصير تعرّض البيت للقصف أيضاً، وانهار للمرّة الثانية فوق رؤوسهن.
تقول: " في تلك اللحظة أدركت أن كلمة الأمان لم تعد موجودة في غزة".
لم يكن أمامهن سوى النزوح.
خرجن إلى الشوارع ثم إلى المدارس المُكتظة بالنازحين.
أمضين أولى الليالي في مدرسة الزهراء، حيث كان البرد والخوف والجوع ضيوفاً دائمين.
تصف لينا أيام النزوح وكأنّها معركة يومية للبقاء.
لم يكن هناك ماء ولا كهرباء ولا غاز.
كلّ شيء كان يعتمد على ما يمكن العثور عليه في الطرقات.
تقول: " كنا نقسم رغيف الخبز بيننا قطعة قطعة.
أحياناً نمضي يومين أو ثلاثة بلا ماء.
كان علينا أن نمشي مسافات طويلة لنملأ عبوات صغيرة".
أما الطعام فكان رفاهية نادرة.
كانت البنات يجمعن الحطب ويبحثن عن أيّ شيء يمكن أن يُطبخ فوق نار صغيرة.
وفي الليل كنّ يلتففن ببطانيات خفيفة فوق أرض باردة، يحاولن النوم رغم أصوات القصف.
ليست غزة مكاناً فقط، بل ذاكرة وهوية ومستقبل.
لكن أصعب ما واجهته لينا لم يكن الجوع ولا النزوح، بل الخوف والصدمة، إذ تقول: " أنا معالجة نفسية، وكنت أرى الخوف يتسلل إلى عيون بناتي.
كنت أعرف ماذا تفعل الصدمة بالأطفال".
بدأت تلاحظ التغييرات: نظرات شاردة، صمت طويل، استيقاظ مفاجئ من النوم، وتعلّق شديد بها وكأنّهن يخشين أن تختفي فجأة.
كانت تدرك أنّ الحرب لا تدمّر البيوت فقط، بل تزرع شقوقاً في الروح أيضاً.
لذلك حاولت أن تكون أماً ومعالجة في الوقت نفسه.
كلّ ليلة كانت تجمع بناتها حولها وتطلب منهن الحديث عمّا يخيفهن.
كانت تساعدهن على تسمية مشاعرهن بصوت عالٍ: هذا خوف، هذا حزن، وهذه صدمة.
كانت تقول لهن إنّ البكاء ليس ضعفاً، وإنّ الرجفة في الجسد ردّة فعل طبيعية على الرعب.
ولكي تُبقي للحياة مكاناً وسط الموت، اخترعت طقوساً صغيرة: عدّ النجوم إن ظهرت في السماء، الرسم على التراب، أو الحديث عن البيت كما كان قبل الحرب، عن الغرف والألعاب والذكريات.
كانت تطلب منهن أن يتخيّلن المستقبل وكأنه قريب.
تقول: " كنت أحاول أن أحمي عقولهن من الانهيار.
لأن الجسد يلتئم أسرع من الروح".
لكن لحظة واحدة كادت تهدم كلّ ما حاولت بناءه.
تقول لينا: " يمكن أن ينهار البيت، لكن لا ينبغي أن ينهار الإنسان.
نحن نعيش لنصمد ونبني من جديد".
وصلت إليها صور لبيتها المدمّر، وعلى أحد الجدران، كُتبت أسماء بناتها بخطّ جنود الاحتلال، مرفقة بتهديدات.
تقول بصوت مثقل: " عندما رأيت أسماءهن على الجدار شعرت أن الخوف أصبح شخصياً جداً".
سألتها البنات بقلق: لماذا كتبوا أسماءنا؟ هل يعرفوننا؟ هل سيعودون؟كانت تلك الليلة الأصعب.
شعرت أنّ الأمان النفسي الذي حاولت بناءه يتصدّع.
لكنها لم تسمح للخوف بأن ينتصر.
احتضنتهن وقالت إنّ كتابة الأسماء ليست قوّة للعدو، بل دليل على خوفه، وإنّ الاسم المكتوب على الجدار ليس تهديداً، بل علامة على الوجود.
حوّلت الحادثة إلى درس: " أسماؤكن ليست للترهيب… إنها هويتكن.
والهوية لا تُمحى بقصف بيت".
بعد رحلة نزوح طويلة، اتخذت لينا قراراً لم يكن سهلاً؛ مغادرة غزّة حفاظاً على بناتها.
عبرت إلى مصر وهي تشعر أنّ قلبها بقي هناك.
تقول: " لم تكن المغادرة هروباً، بل محاولة لحماية ما تبقى من طفولة بناتي".
في مصر، بدأت رحلة أخرى: علاج الجسد ومحاولة ترميم الأرواح.
لكن الغياب كان ثقيلاً.
فقدت والدها وثلاثة من إخوتها أثناء وجودها خارج غزّة، ولم تتمكّن حتى من وداعهم.
ورغم أن الابتعاد عن القصف منح بناتها بعض الأمان، فإنّ غزّة لم تغادر قلبها.
بالنسبة إليها، ليست غزة مكاناً فقط، بل ذاكرة وهوية ومستقبل.
وتقول في نهاية حديثها: " يمكن أن ينهار البيت، لكن لا ينبغي أن ينهار الإنسان.
نحن نعيش لنصمد ونبني من جديد".
هكذا تحكي لينا قصتها: ليست حكاية بيت تهدّم فحسب، بل قصّة أم حاولت أن تمنع الحرب من دخول عقول بناتها، حتى حين دخلت إلى جدران بيتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك