في اليوم العالمي للمرأة، لا تكفي التهاني العابرة، ولا تفي العبارات السريعة بحق هذا الكائن الذي جعله الله مرآة للرقة، ومهدا للرحمة، وسرا من أسرار الإتزان في هذا العالم.
كل عام وهي ضياء الدروب إذا اشتد عتمها، وسكينة القلوب إذا أثقلها الأسى، ودفء الحياة حين يبرد فيها الإحساس.
المرأة ليست فصلا زائدا في كتاب الوجود، بل هي من أجمل عناوينه، وليست ظلا عابرا في مسيرة الإنسان، بل هي المعنى الذي يلطف قسوة الطريق، ويمنح الرحلة طعمها، والبيت دفأه، والروح سكينتها.
الأنوثة ليست ضعفا يتكئ على غيره، ولا هشاشة تنتظر من يرممها، بل هي جمال واع، وقوة هادئة، وحضور يفيض بالمعنى.
هي ليست يدا ممدودة إلى العطف، بل قلبا واسعا يمنح العطف لمن حوله، وليست كائنا يطلب الإعتراف بوجوده، بل قيمة عالية لا يليق بها إلا الإعتراف الكامل بمكانتها.
إن المرأة، في جوهرها النبيل، لا تنتظر من الرجل أن يصنعها، لأنها ليست مشروعا ناقصا، ولا أن يهبها كرامتها، لأن الكرامة لا تمنح، بل تصان.
هي تريد عينا ترى إنسانيتها قبل صورتها، وعقلا يحترم فكرها قبل أن يعجب بحضورها، وقلبا يأنس بروحها قبل أن يفتن بتفاصيلها.
الرجل النبيل: من يمشي إلى جوارها.
ليس أجمل الرجال من يتقدم المرأة ليقودها كأنها لا تحسن إختيار الطريق، ولا من يتأخر عنها متخففا من مسؤوليته، بل من يسير إلى جوارها، مساويا لها في الاحترام، شريكا لها في الرفقة، أمينا على المعنى الذي يجمع بين قلبين.
فالعلاقة الراقية ليست ساحة للأوامر، ولا ميزانا للهيمنة، بل نهر من المودة تمشي فيه روحان جنبا إلى جنب، دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.
المرأة لا تريد من يتحدث كثيرا عن القوة، بل من يجعلها تشعر أن قربه أمان، وأن صوته طمأنينة، وأن حضوره لا يحمل تهديدا ولا استعلاء، بل يحمل سكينة تشبه المساء حين يهبط على قلب متعب.
كم من رجال ملأوا الدنيا حديثا عن الرجولة، وما عرفوا منها إلا ظاهرها الخشن، وكم من رجل صامت حمل في لطفه من الرجولة ما يفوق ضجيج الشعارات.
فالرجولة الحقة لا تقاس بحدة الصوت، ولا بصرامة الملامح، ولا بقدرة الإنسان على فرض رأيه، وإنما تقاس بقدرته على أن يكون عادلا حين يملك، ولطيفا حين يقترب، وحكيما حين ينصت.
ما أبهى الرجل حين يعرف أن اللين ليس نقصا، بل رفعة، وأن الرحمة ليست انكسارا، بل نبلا، وأن الاحتواء ليس ضعفا، بل قمة النضج الإنساني.
المرأة لا يطمئن قلبها إلى القسوة مهما تزينت، بل ينجذب إلى روح تعرف كيف تصونها، وإلى حضور لا يخذل ضعفها الإنساني حين يمر بها التعب.
المرأة، إذا وضعت في الموضع الذي يليق بها، أزهرت الحياة من حولها.
فهي إن أحسن الإصغاء إليها، أبدعت.
وإن وثق بها، اتسع عطاؤها حتى يصير للبيت قلب آخر، وللأيام نكهة أرق، وللحياة وجه أكثر رحمة.
هي ليست تفصيلا صغيرا في نسيج المجتمع، بل من خيوطه الأشد رسوخا.
وإذا كانت بعض القيم تكتب في القوانين، فإن المرأة تكتبها في الحياة نفسها: في الصبر، وفي العطاء، وفي الإحتمال، وفي قدرتها المدهشة على أن تخفي وجعها لتمنح غيرها الطمأنينة.
وحين تجد المرأة من يؤمن بروحها، لا تثمر علاقة جميلة فحسب، بل تثمر عالما أكثر توازنا، لأن القلب الذي يحترم يفيض خيرا، والروح التي تصان تمنح من نورها ما لا تصفه اللغة.
المرأة في الشعر: وطن يسكن القلب.
ومنذ عرف الشعر طريقه إلى الوجدان، كانت المرأة أكثر من صورة للجمال؛ كانت وطنا للحنين، ومجازا للدفء، وراية للمعنى.
وفي الأفق الشعري الذي صنعه نزار قباني، لم تكن المرأة زينة الكلام، بل كانت الكلام حين يبلغ ذروته، وكانت الحضور الذي يعلم اللغة كيف تصير حريرا، وكيف يصير الحرف نافذة على القلب.
ومن وحي هذا الأفق المترف بالإحساس، يليق أن يقال:
إذا مرت على الروح، أزهرت الجهات الأربع،
وإذا تكلمت، شعرت أن اللغة خلقت لتبلغ هذا الصفاء.
فدخل منها الضوء إلى الأشياء كلها.
وإذا حزنت، شعرت أن الكون كله يحتاج إلى شيء من حنانها.
الأم والأخت والإبنة: وجوه الرحمة الخالدة.
سلام على الأم، وهي تضيء عمرها لتبقى البيوت عامرة بالأمان.
سلام على الأخت، وهي تخفي حنانها في التفاصيل الصغيرة، فتجعل الحياة أكثر احتمالا.
سلامٌ على الإبنة، وهي تحمل الغد في عينيها، وتمضي بأحلامها نحو الضوء رغم ما في الطريق من تعب.
سلام على كل إمرأة واجهت الحياة بقلب موجوع ولم تنكسر، وصبرت ولم تتباه بصبرها، وأعطت ولم تنتظر التصفيق.
هؤلاء النسوة هن الورد الخفي في حدائق العالم، وهن البلسم الذي لا يرى لكنه يداوي، وهن الجمال الذي لا يحتاج إلى إعلان، لأنه حاضر في الأثر، وفي النبرة، وفي الحضن، وفي الدعاء، وفي ذلك الصمت المضيء الذي لا تعرفه إلا القلوب الكبيرة.
وفي يومها العالمي، لا نملك إلا أن نقف أمام هذا الجمال الإنساني بخشوع المحبة، وأن نقول لها:
أنت لست نصف المجتمع كما يقال، بل أنت الروح التي تبقي المجتمع حيا، والقيمة التي تمنحه رقته، والنبض الذي يحفظ له إنسانيته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك