تقتضي طبيعة السياسة أن يدفع الممارس لها ثمن خياراته الخاطئة لحظة جرد الحساب؛ فكل قرار سياسي هو استثمار في المستقبل، وجبت دراسته وتمحيصه واستقراء نتائجه والبحث عن أفضل البدائل السياسية الممكنة له.
من هنا، فإن القرارات المتعلقة ببدء الحروب يجب أن تُحاط بأقصى درجات الحرص والدراسة، مستندة إلى خطط منهجية مستوفاة؛ فهي قرارات يملكها الجميع، ويدخل في حساباتها الجميع، ويحصد نتائجها الجميع: حكومات وشعوباً، بل ودولاً بأكملها.
يبدو أن الرئيس الأميركي ترامب يسعى لإدارة المشهد السياسي بمنطق «طاولة القمار»، حيث الرهانات عالية والاعتماد الكلي على فرضية الربح الدائم.
بالنسبة له، التفاوض ليس بحثاً عن حلول وسط، بل جولة يجب أن تنتهي بـ«الضربة القاضية» للخصم، متجاهلاً أن في السياسة، الخسارة الكاملة للطرفالآخر تعني غالباً زعزعة استقرار الأسس الحديثة للأنظمة الاجتماعية، التي يجب أن يكون هدفها الأسمى هو مصلحة الجميع.
لا تزال ذاكرة الشعب الأميركي، وكل من شارك في حربي العراق وأفغانستان، حية ومؤلمة، رغم أن قرار الحربين آنذاك كان مدروساً بعناية شديدة.
ومع ذلك، لا يبدو أن ترامب قد استفاد من تلك الدروس، ولا يبدو أن خبرته في مشاريعه الاستثمارية قد علمته كيف يفكك شفرات السياسة ودهاليزها المتشابكة.
فلا رابط حقيقيا بين عالم المال وعالم الأمم؛ ففي المشاريع الاستثمارية قد تقتصر الخسارة على رأس مال فرد واحد أو مؤسسة، أما في السياسة الدولية فالخسارة تمس حاضر ومستقبل شعوب بأكملها، والخطأ فيها يحمل تبعاته على الجميع بلا استثناء.
ففي اندفاعه نحو مواجهة مع إيران، ظانّاً أنها ستكون سريعة وخاطفة وأن النصر وحده هو الإجابة، كان عليه تغليب مصالح الأطراف كافة؛ وهذا أقل ما يتوجب على حليف نافذ الكلمة تجاه حلفائه.
لم يراعِ ترامب في قراره المتعجل سوى عجرفته الخارجة عن السياق التقليدي للدبلوماسية، مدفوعاً بإلحاح نتنياهو، الساعي هو الآخر لجني ثمار مغامراته بعد التخلص من مخالب إيران في لبنان وسوريا.
إن الفرق بين التاجر والسياسي يكمن في تحقيق المصلحة الشخصية أو المصلحة العامة، فالأول يغامر بماله، والثاني يقامر بأرواح ومستقبل شعوب.
وإذا استمر ترامب في رؤية العالم من ثقب «الصفقة» الضيق، فسيؤدي ذلك إلى مزيد من فقدان ثقة الدول في صانعي السياسة الأميركية.
ففي حلبة الصراعات الكبرى، لا يوجد رابح واحد دائماً؛ فالنصر مشترك والتحالف لا يتماشى مع المقامرة الفردية، ومن يرفض تعلم الدروس من الماضي في العراق وأفغانستان، سيتحول هو نفسه إلى درس أكثر قسوة في كتب التاريخ.
يبقى التاريخ هو القاضي الوحيد الذي لا يقبل الرشوة أو الصفقات العابرة.
إن محاولة إدارة معضلات الجغرافيا السياسية بعقلية المقامرة قد تحقق أرباحاً وقتية، كما في حالة فنزويلا، لكنها تؤسس لانهيارات استراتيجية غير محسوبة.
الأمم لا تُدار بالعناد، والمستقبل لا يُبنى بالرهانات الفردية، ومن يصر على إغلاق عينيه عن دروس الأمس، سيكتب الدرس الجديد ويتحمل مسؤولية تبعاته وحده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك