يأتي رمضان كل عام بوصفه موسما إيمانيا تتضاعف فيه الطاعات، لكنَّ كثيرين يجدون أنفسهم وسط سيل من الملهيات التي تزاحم هذا الموسم الروحي.
فبين من يقضي أيامه صائما قائما ينهل من الخيرات ويستنزل من الله الرحمات، وآخر يمضي الشهر غافلا لاهيا يبدد وقته أمام الشاشات ويثقل ميزانه بالسيئات، تتجدد الأسئلة عن أثر هذه الملهيات، وكيف يمكن للمسلم أن يحمي صيامه من شياطين الإنس والجن.
هذا الموضوع كان محور حلقة من برنامج" الشريعة والحياة" -الذي تنتجه قناة الجزيرة وأثير- ناقشت الملهيات في شهر رمضان، وكيف يحمي المسلم نفسه من شياطين الإنس والجن.
واستضافت الشيخ الباحث محمد الجاسم إمام مسجد الإمام محمد بن عبد الوهاب في الدوحة، في الحلقة التي تُبث على منصة الجزيرة 360، ويمكن مشاهدتها على هذا الرابط.
قال الجاسم في مستهل حديثه إن فهم هذه القضية يبدأ من استحضار المنهج القرآني في النظر إلى الحياة، مؤكد أن الله -سبحانه وتعالى- حينما أنزل القرآن ما أنزله فقط للتلاوة إنما هو منهج عمل" بحيث أن القرآن بذاته لا يقدّم فقط التوصيفة للمشاكل بل هو بذاته الفاعلية المضادة لكل مشاكل الإنسانية".
واستشهد بقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} (يونس: 57).
وأشار إلى أن مقصد الصيام يتجاوز مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، إذ إن" الصيام ركن من أركان الدين، صيام الشهر الفضيل، والله -سبحانه وتعالى- جعل غايته ومقصده التقوى".
كما لفت إلى أن كثيرين يقصرون معنى الشفاء في القرآن على الأمراض الحسية، قائلا" نحن اليوم قصرنا هذا الشفاء على مسألة الأمراض الحسية… لكن الشفاء الحقيقي كل الشفاء هو حينما ينجلي ظلام الجهالة، يعني القلب".
ويرى الجاسم أن المشكلة ليست في معرفة فضل رمضان، بل في ترجمة هذه المعرفة إلى سلوك عملي.
واستدل بقول الله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} (النساء: 66)، مؤكدا أن" العلاج هو في الفعل"، وأن الخلل لا يكمن في المعرفة بقدر ما يكمن في ترجمتها إلى عمل.
وتناول الجاسم أساليب الشيطان في إبعاد الإنسان عن الصراط المستقيم، مستشهدا بقول الله تعالى على لسان إبليس {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ} (الأعراف: 16-17).
وبيَّن أن الشيطان لا يدفع الإنسان مباشرة إلى المعصية، بل يتدرج معه في الإغواء.
وأشار إلى أن القرآن حسم مسألة قوة الشيطان بقوله" القرآن يُبطل ذلك كله، فيقول إن كيد الشيطان كان ضعيفا".
كما تطرقت الحلقة إلى دور شياطين الإنس في نشر الملهيات، مستشهدا بقول الله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} (الأنعام: 112).
ولفت الجاسم إلى أن مظاهر الإلهاء تتضاعف في رمضان، إذ يفاجأ الإنسان بحجم المسلسلات والملهيات التي تُحشد في هذا الشهر، رغم أنه موسم للتقرب إلى الله وتحقيق مقصد التقوى.
واقترح الجاسم عددا من الخطوات العملية للاستفادة من رمضان، من بينها تخصيص ما سمّاها" الساعة الذهبية"، وهي وقت يخصصه المسلم للذكر والعبادة.
كما دعا إلى تقليل الانشغال بالهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي.
وشدَّد الجاسم على أن رمضان يمثل فرصة متجددة للتغيير والتدرج في الطاعة، وأضاف" الله -سبحانه وتعالى- شرع لك هذا الشهر عاما بعد عام لتتدرج في الطاعة، وتألفها عاما بعد عام".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك