أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، أن المساجد في مصر عبر العصور لم تكن مجرد أماكن للصلاة، بل شكّلت مؤسسات اجتماعية وثقافية واقتصادية متكاملة، مشيرًا إلى أن جامع سنان باشا يُعد أحد أبرز النماذج التي جسّدت هذا الدور، حيث كان مركزًا نابضًا للحياة الرمضانية في القاهرة لقرون طويلة.
جامع سنان باشا.
قلب بولاق على ضفاف النيلوأوضح خلال حلقة برنامج" رمضان حكاية مصرية" المذاع على قناة الناس، أنه إذا عدنا بالزمن نحو 450 عامًا إلى منطقة بولاق عندما كانت على شاطئ النيل مباشرة، سنجد قبة شامخة تزين السماء هي قبة جامع سنان باشا، مؤكدًا أن المسجد بُني بالحجر لكنه تأسس بفلسفة إنسانية قائمة على أن العبادة لا تنفصل عن المجتمع، وأن المسجد يجب أن يكون مركزًا للرحمة والتعليم والرعاية، خصوصًا خلال شهر رمضان.
صورة تاريخية توثق زمن الوقف والحياة الرمضانيةوأشار إلى أن الصورة التاريخية التي التقطها مصور فرنسي زار مصر بين عامي 1916 و1921، والمحفوظة حاليًا في أرشيف متحف فيكتوريا وألبرت بلندن، لا تمثل مجرد توثيق معماري، بل شهادة حية على عصر كامل كان فيه نظام الوقف يجعل المسجد محور الحياة اليومية داخل الحي.
60 قارئًا للقرآن وختمتان يوميًا في رمضانوأضاف أن الوقفية المؤرخة بسنة 999 هجرية تكشف تفاصيل مدهشة عن الحياة داخل الجامع، حيث كان 60 قارئ قرآن يتناوبون على قراءة ختمتين كاملتين يوميًا، وهو تقليد ارتبط بشهر رمضان حين كانت القاهرة تتحول إلى ما يشبه المئذنة الكبرى التي يتردد فيها صوت القرآن ليلًا ونهارًا.
الوقف يموّل التلاوة ويجعل القرآن حاضرًا دائمًاولفت إلى أن نظام الوقف لم يكن يموّل المبنى والعاملين فقط، بل كان يموّل التلاوة نفسها، بما يضمن استمرار قراءة القرآن بشكل يومي، وهو ما يعكس كيف عاشت القاهرة آنذاك على إيقاع القرآن، باعتبارها مدينة تجمع بين الدور السياسي والروحاني في آن واحد.
تلاوة سورة الأنعام تقليد رمضاني راسخوتابع أن الوقفية خصصت أربعين قارئًا لتلاوة سورة الأنعام يوميًا، وهي عادة ارتبطت بالمساجد الكبرى في مصر خلال شهر رمضان، حيث ارتبطت هذه السورة في الوجدان الشعبي بمعاني البركة والحفظ.
رعاية الأيتام داخل المسجد بنظام حياة متكاملوأكد أن من أبرز ما تضمنته الوقفية الاهتمام بالأيتام، إذ نصّت على كفالة عشرين يتيمًا يقيمون داخل المسجد، يتلقون الطعام والتعليم والرعاية حتى بلوغهم، في نموذج اجتماعي متكامل يعكس الدور الإنساني للمسجد، وليس مجرد تقديم مساعدات مؤقتة.
كسوة العيد للأيتام.
فرحة رمضان تكتمل بالرحمةوأشار إلى أنه مع نهاية شهر رمضان كان الجامع يمنح هؤلاء الأيتام ثلاثين دينارًا لكسوة العيد، وهو مبلغ كبير آنذاك يفوق أحيانًا مهور الزواج، ما يعكس المكانة الكبيرة لليتيم في المجتمع، وأن فرحة العيد كانت تُبنى على إسعاد الجميع.
جهاز إداري متكامل لإدارة شؤون المسجدوأوضح الدكتور عمرو منير أن الوقفية كشفت عن جهاز إداري متكامل داخل المسجد، ضم خطيب الجمعة والعيدين، وإمامًا، وستة مؤذنين، ووقادًا مسؤولًا عن الإضاءة، ومسبّلًا لمياه الوضوء، وفراشين، وسائقًا للساقية، وخادمًا للمصحف، وكاتبًا للغيبة، وموزعًا لأجزاء ختمة القرآن، وكان لكل منهم راتب وأرغفة يومية محددة.
شبكة اقتصادية ضخمة لخدمة رسالة المسجدوأضاف أن هذا النظام كان قائمًا على ريع وقف اقتصادي كبير شمل خانات وحمامات ومحال وبيوتًا وأراضي زراعية في القليوبية والمنوفية وبني سويف والإسكندرية، لتشكّل شبكة اقتصادية كاملة هدفها إبقاء المسجد حيًا وفاعلًا في حياة الناس.
رمضان مشروع مجتمع متكامل في القاهرة القديمةوأكد أن رمضان في ذلك العصر لم يكن مجرد صيام، بل مشروع مجتمع متكامل؛ موائد بعد المغرب، وتلاوة وذكر بعد التراويح، وأصوات القرآن قبل السحور مع نسيم النيل، وفي قلب هذا المشهد يتيم يرتدي ثوب العيد من ريع وقف المسجد.
جامع سنان باشا.
ذاكرة رمضان المصري عبر التاريخواختتم أستاذ التاريخ والحضارة حديثه بالتأكيد على أن جامع سنان باشا لم يكن مسجدًا فقط، بل مؤسسة اجتماعية نابضة بالحياة، وبيتًا للأيتام، ومدرسة للقراء، وملاذًا للناس، وأن الصورة المحفوظة في الأرشيف تمثل ذاكرة لمرحلة تاريخية عاشت فيها القاهرة رمضان كحكاية مصرية من نور تجمع بين العبادة والعلم والرحمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك