لا يخلو سؤال أي دمشقيّ للآخرين عن مسقط رأسهم من محاولات الاستدلال على مكان إقامتهم وعمق تجذّرهم في المدينة؛ إذ بمجرد الاستفهام بعبارة" من أين أنت؟ "، يقودك الجواب إلى حالة من الانقسام الطريف بين سكان العاصمة السورية، فهم يتنافسون فيما بينهم على حقيقة مَن هو" الشامي القحّ".
وكلمة" قحّ" في اللغة العربية تشير إلى النَّسب الأصيل، وعندما نقول" العرب الأقحاح" فإنّنا نشير إلى العرب العاربة المتحدرين من" يعرب بن قحطان"، ولو أنّ الدمشقيين اليوم يستخدمون الهمزة بدلاً من القاف، مع إشباع لكسر الحاء فتغدو الجملة" شامي ئُحِّي".
والدمشقيون دوناً عن أي مدينة في العالم ربما، يقسمون أنفسهم إلى" شوام جُوّا السور" (داخل السور)، و" شوام بَرّا السور" (خارج السور).
والمقصود هنا على وجه التحديد الممايزة بين سكان أحياء دمشق التي تقع داخل سور المدينة القديمة، وتلك التي تقع خارج هذا السور.
وبالتالي؛ فإنّ من يتحدر من حيّ داخل السور هو دمشقي أو شامي أكثر من ذاك الذي يسكن خارجه، بمعنى أن" الشامي الئُحِّي"، هو ذاك الذي سكن جده الأول منزلاً في حيّ داخل سور دمشق القديمة، مثل أحياء القيمرية، والشاغور الجواني، وشارع الأمين وما شابه، أما ذاك الذي سكن جده الأول في أحياء خارج السور، فلا يُعتبر من" الشوام الأقحاح" بنظر سكان" جوا السور"، وإنما من" المستشومين"، أي الذين ينسبون أنفسهم إلى دمشق، رغم عدم تحدّرهم منها، ما يُذكّر بفارق النسب بين" العرب العاربة"، و" العرب المستعربة".
في حديث خاص لـ" العربي الجديد"، يوضح محمد حيدر المتحدر من حي القيمرية الدمشقي أنّ سكان الأحياء الواقعة في داخل المدينة القديمة يعتقدون أنّهم يتحدّرون من نسل الدمشقيين القدماء، أو ما يُصطلح عليه بـ" الشوام"، لكن حتى ضمن هذه الأحياء هناك من يعتبر أن السكان الأصليين لأيّ حيّ هم العائلات التي سجلت خانتها برقم يقلّ عن المئة، وكل عائلة مسجلة في الدوائر الرسمية بخانة تحمل رقماً يزيد على المئة لا تُعدّ من السكان الأصليين للحيّ، بل من الوافدين على الحيّ، ولاحقاً على المدينة القديمة.
ويقول محمد: " لا نعرف متى ظهر هذا التقسيم للمرة الأولى بين الدمشقيين، ولكن يبدو أنه قائمٌ على أساس اجتماعي بحتّ، يميّز بين سكان الريف والمدينة، أو أنّه جاء نتيجة انقسام طبقي.
فمَن يسكن داخل أسوار المدينة القديمة يُعتبر من الأثرياء، نظراً لأنّ الأحياء الداخلية كان يسكنها الأكثر ثراءً، بينما أُجبِر الفقراء على بناء منازل في أراضٍ قريبة من المدينة، كانت عبارة عن بساتين.
ويفضّل الرجل السبعيني أبو أسامة الحديث باستخدام كنيته، بدلاً من اسمه الصريح، ويشرح لـ" العربي الجديد" أنّ سبب هذا الانقسام بين أحياء" جوّا السور" و" برّا السور"، يعود إلى نظرة كبار السن في الأحياء، إذ كانوا يقاربون الأمر من بوابة الهجمات المغولية على دمشق وتعرّض المنازل للنهب والحرق واغتصاب النساء، بينما كانت المنازل الواقعة في داخل أسوار دمشق أقلّ عرضة لمثل هذه الحوادث، ما خلق نوعاً من التنمّر كما يُسمّى اليوم، من سكان داخل السور تجاه جيرانهم خارج السور، ويضيف: " ولو أنّ الأمر لا يستند إلى رواية تاريخية دقيقة عن هذه المفارقة أو المزاعم التي تميّز بين منطقة وأخرى بحسب نجاتها من جرائم المغول في دمشق، إلّا أنّه ربما يفسر السبب الذي تقوم عليه هذه التقسيمة غير المنطقية".
يتابع أبو أسامة: " إنْ قلنا إنّها تعود إلى بدايات القرن العشرين على سبيل المثال، فالأحياء القريبة من السور وتقع خارجه مثل الحلبوني والقصاع وما شابه كانت مكاناً لعلية القوم في زمن الانتداب الفرنسي، بسبب اتساع المنازل وطرق بنائها، وشوارعها العريضة التي تسمح بمرور السيارات، بعكس الأحياء التي تقع في داخل المدينة القديمة، كما أنّ منطقة المرجة التي تحوّلت إلى مركزٍ للحكومة في زمن تشكل الدولة السورية، فإنّها تقع خارج سور دمشق، وهي تمدّد طبيعي للمدينة التي توسعت وما زالت تتوسع".
وتلفت أم أحمد إلى أنّ بعض الأسر كانت تبالغ في تعظيم شأن" جوّا السور" و" برّا السور"، لدرجة أنّ عائلة متحدرة من أحياء داخل سور دمشق القديمة لا تقبل بمصاهرة عائلة تسكن خارج السور، وتقول لـ" العربي الجديد": " الأمر من وجهة نظرهم أنّ العائلات العريقة وذات الأصول المتجذّرة في دمشق هي فقط تلك التي تسكن الأحياء الواقعة في داخل سور المدينة القديمة.
وبالتالي فإنّ مصاهرة أي عائلة من خارج السور تُعدّ بمثابة انحدار بالمكانة والمستوى الاجتماعي للأسرة، وهذا الأمر كان حاضراً ربما عند بعض العائلات، ولم يكن شائعاً لدى كل العائلات المقيمة في المدينة القديمة، لكنه كان موجوداً، وكان مزعجاً جداً".
تشبه حالة" جوّا السور" و" برّا السور" في دمشق حالة أخرى تجمع سكان المناطق السورية عموماً، إذ تنتشر في غالبية المحافظات السورية ثنائيات مثل" ابن مدينة" و" ضيعجي".
وتعني كلمة" ضيعجي" أنّ المواطن يتحدّر من ضيعة أو قرية، وبالتالي يكون معنى هذه الثنائية" ابن مدينة" و" ابن ريف".
وإن كانت هذه التقسيمات تقوم في أساسها على الأصل المهني للسكان، وفرق العادات والتقاليد التي تستند إلى بيئة كل شريحة، إلا أنّها في عمقها تشكل تقسيماً طبقياً يقوم على اعتبار أن أبناء المدينة" أكثر تحضراً وانفتاحاً" من أبناء الريف.
ولعلّ الأمر موجود في دول عربية عدّة باختلاف المسمّيات، إلّا أنّه يبقى في ثنائية الدمشقيين الذين ينتمون لذات المدينة نوعاً فريداً من التقسيم الذي يدلّ على هوية كل سوري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك