مع اقتراب نهاية شهر رمضان واستعداد المغاربة للاحتفال بعيد الفطر، عادت إلى الواجهة على مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة تُعرف بـ“حق الملح”.
ويقدّم هذا المفهوم على الإنترنت باعتباره هدية يمنحها الزوج لزوجته تقديرا لجهودها في إعداد وجبات الإفطار طوال شهر الصيام، وغالبا ما تكون هذه الهدية قطعة من الذهب مثل سوار أو قلادة أو خاتم.
وقد ساهم انتشار هذه الفكرة عبر المنصات الرقمية في رواجها بشكل واسع، حتى أن بعض صائغي المجوهرات بدأوا الترويج لها ضمن عروضهم الخاصة بمناسبة العيد.
وعلى نطاق أوسع، يروّج لـ“حق الملح” كعادة مغربية أو مغاربية قديمة، لاقت اهتماما من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي، الذين تداولوا الموضوع بفضول كبير.
تُعرض هذه العادة على الإنترنت باعتبارها تقليدا متوارثا منذ قرون في المغرب وبعض دول المغرب العربي.
ويربط البعض أصلها بقصة مفادها أن المرأة، أثناء تحضيرها وجبات الإفطار لعائلتها في رمضان، قد تضطر إلى تذوق الطعام بطرف لسانها للتأكد من توازن الملح، من دون ابتلاعه احتراما لصيامها.
ويُقال إن هذا “التضحية” الرمزية تكافأ في يوم العيد بهدية من الذهب يقدمها الزوج.
كما يشير بعض المتداولين إلى أن هذه العادة تعرف أيضا باسم “التكبيرة”، حيث يقوم الزوج بشراء الهدية خلال الأيام الأخيرة من رمضان، ويحتفظ بها سرا حتى صباح عيد الفطر قبل تقديمها لزوجته.
ورغم الانتشار الواسع لهذه الرواية على الإنترنت، يؤكد كثير من المغاربة أنهم لم يسمعوا بهذه العادة من قبل.
فقد امتلأت التعليقات على المنشورات والمقالات ومقاطع الفيديو التي تناولت “حق الملح” بردود لمستخدمين يشككون في وجود هذا التقليد أصلا.
كما أن المصادر التاريخية لا تقدم أدلة واضحة تدعم وجود هذه الممارسة ضمن العادات الرمضانية للمغاربة عبر التاريخ.
" وفي هذا السياق قال محمد لطيف، الباحث والأستاذ بجامعة ابن زهر بأكادير، المتخصص في تاريخ الأسرة بالمغرب الكبير خلال العصور الوسطى، في تصريح لموقع يابلادي" على حد علمي، لا تتضمن سوى قلة من المصادر التاريخية إشارات إلى مثل هذه الممارسة.
وأضاف: " عادة 'الملح' ترتبط أساسا ببعض العائلات في مدن مثل فاس والرباط، ويُرجَّح أن يكون أصلها أندلسيًا.
غير أنها لا توجد في المناطق القروية، سواء في شمال المغرب أو جنوبه"، مؤكداً ذلك.
وتابع الباحث" لم أجد وثائق تشير إلى أن الزوج كان يقدم هدية لزوجته خلال رمضان أو في نهايته.
ربما توجد ممارسات محلية في بعض المناطق، لكن في جنوب وجنوب شرق المغرب لا نعرف مثل هذه العادة".
مع ذلك، يشير لطيف إلى أن مفهوم “الملح” يحمل دلالات رمزية أخرى في الثقافة والتاريخ المغربي.
وأوضح أن" الملح تعبير متداول في الثقافة الشعبية، لكنه يرتبط أساسا بفكرة تقاسم الطعام".
فالمصادر التاريخية تشير إلى أن القبائل المغربية كانت تبرم نوعا من العهود والاتفاقات من خلال مشاركة الطعام، حيث كان الملح يرمز رمزيا إلى الطعام المشترك بين الناس.
ويعود أحد الأمثلة التاريخية على هذه الرمزية إلى فترة الدولة الموحدية، بحسب لطيف.
فقد كان محمد بن تومرت، مؤسس الحركة الموحدية، يسعى إلى توطيد ولاء القبائل التي انضمت إليه في جبال الأطلس قرب تارودانت، من خلال تقليد محلي في منطقة سوس يُعرف باسم “العصماس”.
وكان ابن تومرت، بحسب المؤرخ، يجمع أتباعه في وليمة تعرف محليا باسم “المعروف”، وقبل أن يبدأ الحاضرون في تناول الطعام كان يرش الملح على الأطباق، في إشارة رمزية إلى أن من يأكل من هذا الطعام يدخل في عهد لا ينبغي نقضه.
وقد انتشرت هذه الرمزية لاحقا في الثقافة الشعبية المغربية، كما يظهر في التعبير الشائع" تشاركنا الملح والطعام"، الذي يعني وجود رابط أو عهد بين الأشخاص الذين تقاسموا المائدة.
ويرجح لطيف أن تكون هذه الرمزية المرتبطة بالملح قد تطورت مع الزمن، وربما امتدت من علاقات القبائل والمجتمعات إلى العلاقات داخل الأسرة، بما في ذلك العلاقة بين الزوجين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك