قبل أيام قليلة فقط من حلول عيد الفطر، تمتلئ أسواق مدينة إدلب وبلداتها بالبضائع المعلقة على واجهات المحال، والملابس الملونة التي يفترض أن تكون عنواناً لفرحة الأطفال في هذه المناسبة السنوية.
لكن خلف هذا المشهد المزدحم تقف حقيقة مختلفة؛ فالكثير من العائلات تدخل الأسواق ثم تخرج منها خالية اليدين؛ الأسعار المرتفعة جعلت ملابس العيد تتحول من تقليد اجتماعي بسيط إلى عبء اقتصادي ثقيل على آلاف الأسر، خصوصاً مع تراجع الدخل وتفاقم الأوضاع المعيشية.
ومنذ بداية شهر رمضان ارتفعت أسعار الملابس في أسواق إدلب بشكل ملحوظ، وسط شكاوى واسعة من الأهالي الذين يقولون إنهم لم يعودوا قادرين على تلبية أبسط متطلبات أطفالهم.
ومع اقتراب عيد الفطر، يبدو واضحاً أن جزءاً كبيراً من سكان المحافظة اختاروا تأجيل شراء الملابس أو التخلي عنها كلياً هذا العيد، في ظل دخول محدودة لا تكاد تكفي لتأمين الغذاء اليومي.
ويبرز المعلمون والعمال في مقدمة الفئات المتضررة، إذ يعاني كثير منهم من تدني الرواتب أو عدم استقرار فرص العمل، ما يجعل شراء ملابس العيد لأطفالهم مهمة شبه مستحيلة.
في الأسواق الشعبية بمدينة إدلب وريفها، تبدو واجهات المحال ممتلئة بمختلف أنواع الملابس المحلية والمستوردة، إلا أن حركة الشراء تبقى محدودة مقارنة بالسنوات السابقة، فالتجوال بين المحال أصبح في كثير من الأحيان مجرد محاولة لمعرفة الأسعار أكثر من كونه خطوة فعلية نحو الشراء.
يقول محمد الحموري (46 عاما)، وهو معلم يقيم في ريف إدلب ولديه خمسة أطفال، إن راتبه الحالي لم يعد يسمح له بتغطية الاحتياجات الأساسية، فضلاً عن متطلبات العيد.
ويضيف في حديثه لـ موقع تلفزيون سوريا: " راتبي اليوم لا يتجاوز 130 دولاراً شهرياً، بينما كانت المدرسة التي أعمل فيها تتلقى سابقاً دعماً من إحدى المنظمات، وكان راتبي حينئذ يتجاوز 220 دولاراً، وكذلك راتب زوجتي التي تعمل في المجال نفسه".
ويتابع محمد حديثه موضحاً أن ذلك الفارق في الدخل كان كافياً في السابق لتأمين مستلزمات شهر رمضان والعيد، بما في ذلك ملابس الأطفال، لكن الوضع تغير اليوم بشكل كبير.
ويشير المعلم إلى أن شراء ملابس لخمسة أطفال وفق الأسعار الحالية قد يتطلب مئات الدولارات، وهو مبلغ يفوق بكثير قدرته الشرائية، ويرى أنه حتى الطقم الأقل ثمناً، والذي يبدأ من 25 دولاراً، يعني أن الأسرة ستحتاج إلى أكثر من 125 دولاراً لشراء الملابس فقط، وهو ما يعادل تقريباً كامل راتبه الشهري.
وتشهد أسواق إدلب مع اقتراب عيد الفطر ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار ملابس الأطفال، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على العائلات التي تعاني أصلاً من ضعف الدخل وتراجع القدرة الشرائية.
وبحسب جولة لموقع تلفزيون سوريا في عدد من المحال التجارية في المدينة وريفها، يتراوح سعر طقم الملابس للأطفال من عمر عام واحد وحتى 14 عاماً بين 25 و40 دولاراً للأنواع الأقل جودة، بينما تصل أسعار الملابس ذات الجودة الأعلى إلى ما بين 50 و70 دولاراً للطقم الواحد.
ويقول عدد من أصحاب المحال إن الأسعار تختلف بحسب نوع القماش ومصدر البضاعة، سواء كانت محلية أو مستوردة، إضافة إلى تكاليف النقل والرسوم التي تفرض على البضائع الداخلة إلى المنطقة.
ويضيف محمد: " هذا العيد قررت أن أؤجل شراء الملابس للأطفال، لأنني ببساطة لا أستطيع تحمل هذه التكاليف؛ حاولت أن أشرح لهم الأمر، لكنني رأيت الحزن في عيونهم، وهذا أصعب ما يمكن أن يشعر به الأب".
وتعكس هذه الحالة واقع مئات المعلمين في مناطق شمال غربي سوريا، حيث تراجعت الرواتب أو توقفت بعض أشكال الدعم التي كانت تقدمها المنظمات في السنوات الماضية، في وقت تشهد فيه الأسواق ارتفاعاً مستمراً في الأسعار.
لا تقتصر المشكلة على ارتفاع الأسعار فقط، بل تتداخل مع تراجع القدرة الشرائية لمعظم العاملين في المنطقة، وخاصة المعلمين الذين كانوا يعتمدون في جزء من دخلهم على الدعم الخارجي للقطاع التعليمي.
ففي السنوات الماضية كانت بعض المدارس تحصل على تمويل من منظمات إنسانية أو تعليمية، الأمر الذي انعكس إيجاباً على رواتب المعلمين نسبياً؛ لكن تراجع هذا الدعم في الفترة الأخيرة أدى إلى انخفاض الدخل لدى كثير منهم، في وقت استمرت فيه تكاليف المعيشة بالارتفاع.
يقول محمد إن راتبه وراتب زوجته معاً لا يتجاوزان اليوم ما كان يحصل عليه سابقاً بشكل منفرد تقريباً، ما يعني أن دخل الأسرة تراجع بشكل واضح.
" نحن اليوم نعيش براتب أقل بكثير مما كنا نحصل عليه سابقاً، بينما الأسعار تضاعفت في معظم السلع، من الغذاء وحتى الملابس".
ويؤكد أن هذا التراجع في الدخل يضطر الكثير من المعلمين إلى الاستدانة من المحال الغذائية أو الأقارب أو الأصدقاء لتغطية احتياجاتهم الأساسية، خاصة خلال شهر رمضان الذي تزداد فيه المصاريف بشكل كبير.
ويرى عدد من الأهالي أن المعلمين باتوا من أكثر الفئات تضرراً في المنطقة، إذ تعتمد حياتهم بشكل شبه كامل على الرواتب الشهرية المحدودة، بعكس بعض المهن الأخرى التي قد توفر فرص دخل إضافية.
كما يشير بعض العاملين في قطاع التعليم إلى أن تأخر دفع الرواتب يزيد من تعقيد الوضع، خاصة في المواسم التي ترتفع فيها المصاريف مثل شهر رمضان والأعياد.
في ساحة الساعة بمدينة سلقين شمال غربي إدلب، يتجمع عشرات العمال منذ ساعات الصباح الباكر بانتظار فرصة عمل ليوم واحد في ورشات البناء أو الأعمال اليدوية، لكن الحصول على تلك الفرصة لم يعد أمراً مضموناً كما كان في السابق.
سمعان، وهو عامل بناء في منتصف الثلاثينيات من عمره، يقف يومياً في الساحة على أمل أن يطلبه أحد أصحاب الورش للعمل، يقول إن يوميته تتراوح عادة بين 3 و10 دولارات فقط، وذلك في حال وجد عملاً.
ويضيف سمعان في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: " في بعض الأيام نعمل، وفي أيام كثيرة نعود إلى المنزل دون أن نحصل على أي شيء، خلال الأيام الخمسة الماضية وقفت هنا كل صباح، لكن لم يطلبني أحد للعمل".
ويشير إلى أن عدم استقرار العمل يجعل من المستحيل تقريباً التخطيط لأي مصاريف إضافية، بما في ذلك شراء ملابس العيد للأطفال.
ويردف: " كيف يمكنني أن أشتري ملابس العيد وأنا لا أعرف إن كنت سأعمل غداً أم لا؟ الأولوية بالنسبة لي هي تأمين الطعام فقط".
ويضيف أن أسعار الملابس الحالية تفوق بكثير ما يستطيع العمال تحمله، خاصة أن شراء طقم واحد لطفل قد يكلف ما يعادل أجرة عدة أيام من العمل، إن توفر العمل أساساً.
" لدي ثلاثة أطفال، ولو أردت شراء ملابس لهم بالأسعار الموجودة في السوق فسأحتاج إلى أكثر من 100 دولار، وهذا مبلغ لا يمكن لعامل مثلي أن يجمعه بسهولة".
ويؤكد أن كثيراً من العمال يضطرون في مثل هذه الظروف إلى تأجيل شراء الملابس أو الاكتفاء بالملابس القديمة، في محاولة لتجنب الديون.
ومع اقتراب عيد الفطر، تبدو الفرحة المرتبطة بهذه المناسبة مهددة لدى كثير من العائلات في إدلب، خاصة في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وضعف الدخل.
وبينما تمتلئ الأسواق بالبضائع، يبقى السؤال الأبرز لدى آلاف الأهالي: كيف يمكن تحقيق فرحة الأطفال في العيد، عندما تصبح قطعة الملابس حلماً يفوق القدرة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك