في ليلة ١٧ مارس ٢٠٢٦، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن سلاح الجو الإسرائيلي نفّذ ضربة دقيقة أسفرت – وفق التصريحات – عن «القضاء» على علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وهو أحد أبرز مهندسي القرار الاستراتيجي في طهران.
وأكدت إيران الخبر رسميًا، الأمر الذي يعكس تصاعد نمط جديد من الصراع يمكن وصفه بـ«الاغتيال الجيوسياسي النفسي».
هذا النمط لا يستهدف الجسد فقط، بل يسعى إلى تفكيك العقل القيادي، وإحداث تأثير نفسي عميق داخل هرم السلطة، بما يؤدي إلى ارتباك القرار أو تعطله.
هنا يتحول الاغتيال من أداة عسكرية إلى أداة تأثير نفسي عالي الدقة.
مفهوم الطب النفسي الجيوسياسي: من ميكافيلي إلى العلوم الحديثةيمثل هذا المفهوم تقاطعًا بين علم النفس السريري (كالبارانويا، واضطراب ما بعد الصدمة، والتوتر المزمن) وعلم العلاقات الدولية.
ونؤكد أن «الاغتيال في السياق الجيوسياسي ليس مجرد إزالة فرد، بل صدمة نفسية منظمة تهدف إلى إعادة تشكيل طريقة تفكير القيادة بالكامل».
وتشير دراسات تحليلية – منها دراسة لمركز بلفير بجامعة هارفارد – إلى أن استهداف القيادات العليا في الصراعات غير التقليدية يزيد من فرص تفوق الطرف المنفذ بنسبة تتراوح بين ٣٠٪ و٤٠٪، مع انخفاض نسبي في حدة العمليات المضادة.
كما أظهرت تحليلات سابقة أن استهداف القيادات يؤدي إلى اضطراب في شبكات اتخاذ القرار، خاصة في الأنظمة التي تعتمد على شخصيات محورية.
التأثيرات النفسية المباشرة: القلق المفرط وشلل القراروإذا افترضنا صحة استهداف شخصية بحجم علي لاريجاني، فإن التأثير لا يتوقف عند فقدان فرد، بل يمتد إلى ما يُعرف بـ«اليقظة المفرطة» (حالة ترقب دائم للخطر).
في هذه الحالة، تتحول بيئة القيادة إلى بيئة تهديد مستمر:الاجتماعات تصبح محفوفة بالشكدوائر الثقة تضيق بشكل حادتشير أبحاث الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن التعرض المستمر لتهديد مباشر قد يؤدي إلى ارتفاع هرمون التوتر بنسبة كبيرة، وهو ما ينعكس في:كما يظهر ما يُعرف بـ«الإرهاق القيادي»، حيث تتآكل القدرة على التفكير الاستراتيجي طويل المدى لصالح ردود فعل قصيرة الأمد.
الدلالات الإحصائية للتأثير النفسيتشير تحليلات متعددة للصراعات الحديثة إلى أن العمليات التي تستهدف القيادات العليا قد تؤدي إلى:انخفاض العمليات الهجومية للطرف المستهدف في المدى القصيرارتفاع الخطاب الإعلامي الموجه للتهدئةزيادة الإجراءات الأمنية الداخلية على حساب التخطيط الخارجيكما أن دراسات أكاديمية في جامعة أكسفورد أظهرت أن العمليات الدقيقة عالية الاستهداف ترفع مستوى «الخوف الاستراتيجي» لدى القيادات مقارنة بالحروب التقليدية، وهو ما يعيد توجيه الموارد الذهنية والتنظيمية نحو الحماية بدل المبادرة.
البعد العصبي: كيف يتأثر دماغ القيادة؟من منظور علم الأعصاب، يؤدي التهديد المستمر إلى تنشيط «اللوزة الدماغية» المسؤولة عن استجابة الخوف، ما يخلق حالة من:تقليل القدرة على تقييم المخاطر بدقةالميل إلى القرارات الدفاعيةوهذا يفسر كيف يمكن لحدث واحد أن يُحدث تأثيرًا متسلسلًا داخل منظومة كاملة، خاصة إذا كانت تعتمد على مركزية القرار.
التأثير على المجتمع: بين التعبئة والإنهاك النفسيتُظهر النماذج النفسية في مناطق الصراع نمطًا مزدوجًا:على المدى القصير: ارتفاع التعبئة الوطنية والتماسك الداخليعلى المدى الطويل: تراجع الثقة، وزيادة معدلات القلق والاكتئابوتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن التعرض المستمر للأحداث الصادمة قد يؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في اضطرابات القلق والصدمات النفسية داخل المجتمعات.
البعد الاستراتيجي: الردع النفسي كأداة قوةتعتمد بعض الاستراتيجيات الحديثة على مبدأ أن «إشاعة الشعور بعدم الأمان» قد تكون أكثر تأثيرًا من المواجهة المباشرة.
استنزاف الطاقة النفسية للقيادةدفع الخصم إلى الانشغال بالحمايةتقليل القدرة على المبادرةوهو ما يندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ«الردع النفسي»، حيث تتحقق الأهداف دون حرب شاملة.
التوصيات والانعكاسات على الأمن الإقليمي – مع تركيز على مصر١.
تعزيز الوعي بالبعد النفسي للصراعاتينبغي إدماج التحليل النفسي السياسي ضمن مراكز الدراسات الاستراتيجية في مصر، لفهم سلوك الأطراف الإقليمية بشكل أدق.
٢.
تطوير منظومات دعم القرارالاهتمام بالاستقرار النفسي لصناع القرار داخل المؤسسات، لأن الضغط المزمن قد يؤدي إلى أخطاء استراتيجية.
٣.
مراقبة التأثيرات المجتمعية غير المباشرةالأحداث الإقليمية الكبرى تنعكس نفسيًا على الشعوب، بما في ذلك القلق العام وانتشار الشائعات، وهو ما يتطلب خطابًا إعلاميًا متوازنًا.
٤.
تعزيز الأمن المعرفي والإعلاميالحد من التأثيرات النفسية للحروب غير التقليدية عبر نشر المعلومات الدقيقة ومكافحة التضليل.
٥.
الاستعداد لسيناريوهات عدم الاستقرار الإقليميأي اضطراب نفسي في مراكز القرار الإقليمي قد ينعكس على الأمن القومي، ما يستدعي جاهزية تحليلية واستراتيجية مستمرة.
الاغتيال في السياق الجيوسياسي الحديث لم يعد مجرد عملية عسكرية، بل أصبح أداة تأثير نفسي عميق تستهدف مراكز التفكير قبل مراكز القوة.
سواء ثبتت واقعة اغتيال علي لاريجاني أو لا، فإن الاتجاه العام يشير إلى تحول نوعي في طبيعة الصراعات، حيث تلعب العوامل النفسية دورًا حاسمًا في تشكيل القرارات الاستراتيجية.
يفتح هذا التقرير بابًا للنقاش العلمي:هل أصبحت الحروب تُحسم في عقول القادة قبل ميادين القتال؟وهل يمثل «الردع النفسي» مستقبل الصراعات في الشرق الأوسط؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك