منذ سنوات طويلة وهذا الموضوع يشغل تفكيري، ويثير في داخلي أسئلة كثيرة حول مسؤولية الكلمة في الإعلام الرياضي، فقد بدأت أتساءل عن سبب أو أسباب إصرار كثير من الصحفيين الرياضيين، على استعمال لغة حربية وعنيفة في وصف المباريات، وكأن الفرق الرياضية جيوش تتقاتل لا فرق تتنافس في إطار اللعب الشريف.
الإعلام الرياضي يشكل اليوم، رافعة أساسية في صناعة الثقافة الرياضية وتوجيه وعي الجماهير، ولم يعد دوره مقتصرا على نقل الأحداث والنتائج فقط، وإنما أصبح طرفا مؤثرا في تشكيل القيم والسلوكيات والمشاعر داخل الوسط الرياضي وخارجه.
ومن هنا تنبع خطورة الكلمة وأثرها العميق في تعزيز الروح الرياضية أو في إشعال التعصب والصراع، خاصة عندما تستعمل لغة تخرج الرياضة من معناها النبيل وتدخلها إلى معجم الحرب والعنف.
لقد أصبح مألوفا أن نقرأ في الجرائد أو نسمع في الإذاعات والتلفزيون أو في وسائل التواصل الاجتماعي، عبارات مثل، معركة فوق المستطيل الأخضر، حرب كروية، سحق الخصم، قذيفة صاروخية، دمر الفريق الآخر، حرب المدرجات،
كلمات لا توحي بالتنافس الشريف، وإنما تحمل في طياتها معنى العداء والغلبة والإقصاء، وكأن الفرق الرياضية جيوش متناحرة وليست فرقا تسعى إلى تقديم مباراة جيدة والاستمتاع باللعبة.
حتى استعمال كلمة" الخصم"، يوحي بعداء مباشر، في حين يمكن ببساطة استعمال كلمة" المنافس" أو الفريق" الضيف" أو الفريق" المضيف"، و" هدف" بدل" إصابة"، " الفوز" بدل" الانتصار"، " الخسارة" بدل" الهزيمة"، " ضربة" بدل" قدفة"، " الفنيات" بدل" المراوغات"، " اللاعبون" بدل" المحاربون"، " هدف حاسم" عوض" هدف قاتل"،
وهي كلمات أكثر دقة ومهنية واحتراما.
إن تأثير هذه المصطلحات لا يمكن التقليل من شأنه، فهي تزرع التوتر في النفوس وتحول المباراة إلى صراع نفسي، وتدفع الجماهير نحو التعصب والانفعال المفرط، لأن اللغة انعكاس مباشر للصورة الذهنية التي تتشكل لدى الجمهور.
حين نصف اللاعبين بأنهم يملكون" روحا قتالية"، فإننا نستدعي صورة الحرب لا صورة اللعب النظيف، في حين يكفي أن نقول" الروح الرياضية" أو" العزيمة القوية".
وحين نصف" ضربة قوية" بأنها" صاروخية مدمرة"، فإننا نستدعي مشاهد العنف بدل الاستمتاع بجمالية الأداء.
ومن الغرابة أن نطالب الجماهير بالهدوء والاحترام، بينما الخطاب الإعلامي يقدم المباريات على أنها ساحات مواجهة، وأن ننتظر من الشباب أن يلتزموا بالروح الرياضية بينما نلقنهم يوميا قاموس الحرب بدل قاموس الرياضة.
فكيف نطلب التوازن ونزرع العنف؟ وكيف ندعو إلى التعايش ونستعمل لغة الخصومة؟ كلمة واحدة قد تشعل فتنة، وكلمة أخرى قد تُطفئها.
مسؤولية الصحفي الرياضي اليوم، أكبر من البحث عن الإثارة اللفظية أو العناوين الصادمة التي تجذب المشاهدات على حساب القيم، دوره أن يكون قدوة في اختيار المفردات التي تبني الاحترام وتغرس الوعي وتحافظ على جوهر الرياضة، باعتبارها مساحة للتلاقي والمتعة وتربية الذوق الرياضي.
لا أحد يمنع قوة العبارة وجمالية الأسلوب، لكن القوة لا يجب أن تتحول إلى عنف، والحماس لا يجب أن يصبح تحريضا، والمنافسة لا ينبغي أن تتحول إلى عداوة.
كما أن" الصراخ المفرط" و" الزعيق المزعج" والحماس المرتفع الإيقاع لجل الواصفين الرياضيين خلال المباريات، أصبح يشكل مصدر توثر حقيقي للجماهير، فبدلا من أن يضيف على المشاهدة متعة وحماسا، يتحول أحيانا إلى ضجيج يثير الأعصاب ويشتت التركيز،وقد أضحى هؤلاء الواصفين في هذه الحالة مثيري فتنة لا دعاة سلام وروح رياضية، من خلال أسلوبهم الانفعالي، الذي يؤجج التوتر بين الجماهير، علما أن الجماهير تبحث عن تعليق احترافي متزن يشرح اللعبة الرياضية بوضوح دون صراخ مبالغ فيه.
إن استمرار هذا الأسلوب قد يؤثر سلبا على تجربة المتابعة ويقلل من احترام الجمهور للمهنة الإعلامية، لذلك، يبقى الاعتدال والحرفية أفضل وسيلة للحفاظ على متعة الرياضة وروحها الراقية.
الرياضة ليست حربا، الرياضة لقاء إنساني نبيل واحتفال جماعي بالمهارة والفرح، وكلما احترمنا لغتها، احترمنا جمهورها ولاعبيها.
والكلمة، كما يعرف كل صحفي مسؤول، قادرة على بناء الجسور أو هدمها، فلنجعلها أداة للتهدئة والعقلانية لا سببا للتوتر والاحتقان،وعندما نختار كلماتنا بعناية، نكون بالفعل نصنع وعيا رياضيا ناضجا يليق بمجتمعات تحب الرياضة حقا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك