في تاريخ الحروب الكبرى، كثيرا ما تُعلن القوى العظمى النصر قبل أن تنكشف نتائج المعركة على أرض الواقع.
يبدو التفوق العسكري واضحا، فتُسارع القيادة السياسية إلى تصوير الصراع على أنه انتهى، أو أنّها حسمته بشكل نهائي، لكن الواقع يُثبت أن الحروب نادرا ما تُقاس بنتائجها العسكرية المباشرة فقط، ونادرا ما تُختصر بالإعلانات السياسية، فهي تتجاوز كل توقّع، وتكتب فصولها وفق منطقها الخاص، بعيدا عن جدول السلطة في واشنطن، أو رغبات رئيسها المندفع.
ففي عالم تتشابك فيه القوة العسكرية مع الإعلام والاقتصاد والتحالفات الدولية، تتحوّل الحرب إلى صراع مركّب يدور في الميدان، كما يدور في العقول والأسواق ومنابر السرديات السياسية.
ومن هذا المنظور تبدو المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أكثر من مجرّد مواجهة عسكرية في الشرق الأوسط، إنها اختبار معقّد لحدود القوة الأمريكية، ولقدرة النظام الدولي على إدارة الصراعات في مرحلة تتغير فيها موازين النفوذ العالمي.
عندما تكون النتائج حاسمة، تتكفل الوقائع الميدانية بفرض روايتها.
أما عندما تتسع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، تصبح السيطرة على السردية جزءا من إدارة الحربخلال الأيام الأولى من التصعيد، حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تقديم صورة واضحة مفادها، أنّ الولايات المتحدة حقّقت انتصارا سريعا على إيران.
لكن الوقائع اللاحقة بدت أقل انسجاما مع هذه الرواية.
فالرئيس الذي أعلن حسم الحرب عاد ليطلب من حلفائه الأوروبيين، وحتى من الصين، المساعدة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم.
هذا التناقض بين خطاب الانتصار، والحاجة إلى دعم دولي يعكس مفارقة أساسية في الحروب الحديثة، وهي أنّ إعلان النصر لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب.
التاريخ القريب يقدّم لنا أمثلة كثيرة على هذه المفارقة.
ففي العراق وأفغانستان بدأت العمليات العسكرية بانتصارات سريعة، لكنّها تحوّلت لاحقا إلى صراعات طويلة ومعقدة، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول حدود القوة العسكرية.
ولذلك تبدو التساؤلات المطروحة اليوم حول الحرب مع إيران مشروعة، خصوصا في ظل مؤشرات متعدّدة على أن الصراع قد يكون أكثر تعقيدا مما توقعته واشنطن في البداية.
أحد أبرز هذه المؤشرات يتعلّق بمضيق هرمز، فإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه، حتى بشكل جزئي، يضع الاقتصاد العالمي أمام أزمة طاقة حقيقية، نظرا لمرور نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية عبره.
ارتفاع أسعار النفط والتقلبات في الأسواق المالية خلال الأيام الأخيرة يعكسان حجم القلق العالمي من استمرار التصعيد، ويؤكدان أن أي مواجهة عسكرية في الخليج لا تبقى مسألة إقليمية، بل تتحوّل فورا إلى قضية اقتصادية عالمية.
غير أنّ الحرب لا تُخاض فقط في الميدان العسكري.
فبالتوازي مع العمليات العسكرية، تخوض الإدارة الأمريكية معركة أخرى لا تقل أهمية، هي معركة السيطرة على الرواية الإعلامية.
في هذا السياق، أثارت تهديدات بريندان كار رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية، بسحب تراخيص محطات تلفزيونية تنشر ما وصفه بـ«الأخبار المزيّفة» حول الحرب، جدلا واسعا في الولايات المتحدة.
ورغم أن خبراء القانون أكّدوا أن مثل هذه الإجراءات شبه مستحيلة عمليا، فإن الرسالة السياسية كانت واضحة، وملخصها أنّ الإدارة تسعى إلى ضبط السردية الإعلامية للحرب.
هذا التوتر بين السلطة والإعلام يكشف بدوره مفارقة أخرى، فالانتصارات العسكرية الواضحة عادة لا تحتاج إلى رقابة إعلامية لترسيخها في الوعي العام.
عندما تكون النتائج حاسمة، تتكفل الوقائع الميدانية بفرض روايتها.
أما عندما تتسع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، تصبح السيطرة على السردية جزءا من إدارة الحرب، لكن الصراع الجاري لا يمكن فهمه فقط من خلال العلاقة بين الإعلام والسياسة في واشنطن.
فالحرب الحالية تجري في منطقة تُعدّ منذ عقود أحد أهم مسارح التنافس الدولي.
الشرق الأوسط، بما يملكه من موارد طاقة وممرات استراتيجية، ظل دائما نقطة تقاطع بين القوى الكبرى، من الولايات المتحدة إلى روسيا والصين.
ولهذا فإن أي مواجهة عسكرية فيه تحمل تداعيات تتجاوز حدود المنطقة.
في هذا السياق تسعى إيران إلى تثبيت قواعد ردع جديدة عبر شبكة نفوذها الإقليمي في اليمن والعراق ولبنان، بينما تحاول إسرائيل تقليص هذا النفوذ، دون الرغبة في الانجرار إلى حرب شاملة مع المحور ككل.
أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة، على نحو الحفاظ على نفوذها التقليدي في المنطقة في وقت يتجه فيه النظام الدولي نحو تعددية أكبر في مراكز القوة.
هذا التحول في النظام الدولي يمنح الصراع بعدا إضافيا، فروسيا والصين تراقبان التطورات عن كثب، وتسعيان إلى توسيع حضورهما الاقتصادي والسياسي في المنطقة، مستفيدتين من أي انشغال أمريكي طويل، وهكذا يتحوّل النزاع الإقليمي تدريجيّا إلى اختبار أوسع لقدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات في عالم لم تعد فيه الهيمنة الأحادية واضحة، كما كانت بعد نهاية الحرب الباردة.
من هنا يمكن فهم التردد الأوروبي في الانخراط الكامل في التحالف البحري الذي اقترحته واشنطن لحماية الملاحة في الخليج.
فالدول الأوروبية، رغم تحالفها التقليدي مع الولايات المتحدة، تبدو أكثر حذرا تجاه حرب قد تتحوّل إلى صراع طويل مكلف سياسيا واقتصاديا.
كل هذه العوامل تجعل من الصعب الحديث عن نهاية سريعة للحرب.
فالصراعات الحديثة لا تُحسم فقط بتدمير أهداف عسكرية، أو تحقيق تفوق ميداني مؤقت، بل بقدرة الأطراف على إدارة شبكة معقدة من التوازنات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.
في النهاية، تكشف المواجهة الحالية عن حقيقة أساسية في السياسة الدولية المعاصرة، وهي أنّ القوة العسكرية، رغم أهميتها، لم تعد كافية وحدها لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.
فالحروب اليوم تُحسم بقدر ما تُحسم في الميدان، تُحسم أيضا في الأسواق العالمية، وفي وسائل الإعلام، وفي قدرة الدول على بناء تحالفات وإدارة الأزمات.
لهذا تبدو الحرب مع إيران أكثر من مجرد مواجهة عسكرية عابرة، إنها اختبار جديد لحدود القوة الأمريكية، ولقدرة النظام الدولي على احتواء الصراعات في منطقة لا تزال، رغم كل التحوّلات، أحد أهم مفاتيح الاستقرار العالمي.
والنتيجة النهائية لهذا الاختبار لن تُحدد فقط مستقبل الشرق الأوسط، بل قد تسهم أيضا في رسم ملامح النظام الدولي في السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك