لم يعد الوصول للمياه الصالحة للشرب في مخيمات الشمال السوري أمراً سهلاً، بل أصبح عبئاً جديداً يُضاف لمعاناة الأهالي المقيمين قسراً فيها، وسط غيابٍ واضح لدعم المنظمات الإنسانية وانحسار تمويلها المخصص لقطاع المياه من جهة وغياب الحلول الحكومية من جهة أخرى.
هذا النقص جعل قاطني مخيمات أطمة في إدلب، ومخيمات جنديرس في حلب، أمام خيارات صعبة جداً، بين تقليص الاستهلاك أو تحمل تكاليف إضافية لا تتناسب مع واقعهم الاقتصادي الهش.
وبحسب تقديرات" اليونيسف"، فإن نحو 636 ألف شخص في مخيمات شمال غربي سوريا حُرموا من خدمات المياه والإصحاح نتيجة نقص التمويل، في وقت طالت فيه تخفيضات الدعم أكثر من 320 مخيماً، بينما بات 773 مخيماً بحاجة ماسة إلى هذه الخدمات، هذا التراجع دفع العديد من العائلات للاعتماد على شراء المياه من الصهاريج الخاصة، بكلفة تصل إلى نحو 600 ليرة تركية أسبوعياً للأسرة الواحدة، وهو مبلغ يفوق قدرة كثيرين، ويعمّق من أزمة إنسانية تتسع بصمت داخل تلك المخيمات.
مخيم دير بلوط عامٌ بلا مياهفي مخيم المحمدية بدير بلوط، تتقاطع أزمة انقطاع المياه مع تدهور الواقع المعيشي، وسط غياب الدعم الإنساني وتصاعد المخاطر المرتبطة بالظروف الجوية.
يؤكد محمد قطيش، من بلدة جرجناز جنوبي إدلب وأحد قاطني المخيم، لموقع تلفزيون سوريا أن مياه الشرب مقطوعة عن المخيم منذ نحو عام، ما يدفع الأهالي لشرائها من الآبار القريبة بكلفة تصل إلى 25 ليرة تركية للبرميل الواحد، في وقت تراجعت فيه خدمات المنظمات بعد توجهها نحو المدن المحررة حديثاً، الأمر الذي زاد من عزلة المخيمات، خاصة مع بعدها عن مراكز المدن.
ويتابع القطيش أنّ الوضع المعيشي أصبح مأساوياً وفق تعبيره، لا سيما مع تأثيرات المنخفضات الجوية الأخيرة، مشيراً إلى أن العاصفة دفعت بعض الأهالي للتفكير بالنزوح مجدداً، رغم عدم امتلاكهم بديلاً أو القدرة على تحمّل تكاليف الإيجار.
وفي حديثه عن الغلاء أشار قطيش إلى أنّ الغلاء وقلة الدخل حدّا بشكل كبير من القدرة الشرائية للسكان، بينما تتزايد المخاطر مع ارتفاع منسوب المياه في نهر عفرين، ما يهدد المخيمات القريبة منه، ومنها المحمدية ودير بلوط.
وطالب القيش الجهات المعنية والمنظمات بوضع ملف المخيمات ضمن أولوياتها، والعمل على تهيئة الظروف لعودة الأهالي إلى مدنهم وقراهم وإنهاء معاناتهم المستمرة منذ سنوات.
مخيمات أطمة.
المياه بين الحد الأدنى من الخدمة وعبء المعيشةرغم استمرار بعض الخدمات المرتبطة بالمياه، إلا أن واقع التزويد في مخيمات أطمة يبقى هشّاً، وسط غياب الدعم الإغاثي الكافي وتزايد الاعتماد على الجهد الفردي لتأمين الاحتياجات الأساسية.
يوضح عوض اليوسف، أحد القاطنين في مخيمات أطمة ويعمل في مجال الصيدلة، لموقع تلفزيون سوريا أن تأمين الاحتياجات اليومية بات يعتمد بشكل رئيسي على قدرة الأفراد على العمل، في حين تقتصر تدخلات المنظمات على ضخ المياه وترحيل القمامة، دون وجود دعم إغاثي فعلي، ما يترك الأهالي أمام أعباء معيشية متزايدة في ظل ضعف الدخل وارتفاع الأسعار.
ويشير إلى أن واقع المياه لا يزال ضمن الحد الأدنى من الاستقرار مقارنة بقطاعات أخرى، إلا أن غياب الدعم الشامل ينعكس بشكل مباشر على الوضع الصحي داخل المخيمات، محذراً من انتشار الأمراض الجلدية مع اقتراب فصل الصيف، خاصة" اللشمانيا"، ما يستدعي تعزيز الإجراءات الوقائية وتوفير خدمات صحية مرافقة.
ويضيف أن استمرار الأهالي في المخيمات لا يرتبط فقط بواقع الخدمات، بل أيضاً بالعجز عن العودة، نتيجة ارتفاع تكاليف البناء والظروف الاقتصادية الصعبة، ما يجعل من المخيم خياراً قسرياً رغم قسوته.
تفاصيل الحياة بلا ماء في مخيمات أطمةحين يغيب الماء، تتعطل تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيمات، وتتحول أبسط الاحتياجات إلى معاناة مستمرة، في ظل اعتماد متزايد على الشراء وغياب الحلول المستدامة.
يشرح سعيد مصطفى سعيد، أحد القاطنين في مخيمات أطمة، لموقع تلفزيون سوريا أن انقطاع المياه حرم الأهالي من أبسط مقومات الحياة، إذ لا يمكن الاستغناء عنها في الشرب أو الطهي أو النظافة، وحتى في أداء العبادات، ما يجعل غيابها أزمة يومية حقيقية داخل المخيم.
ويضيف أن السكان يعتمدون على شراء المياه من صهاريج خاصة، والتي أصبحت محدودة بعد عودة قسم منها إلى مناطقها، ما زاد من صعوبة تأمينها، في وقت يعاني فيه المخيم من ضعف خدمات الصرف الصحي وانتشار الحشرات والقوارض.
ويؤكد أن الأهالي يضطرون للعمل خارج المخيم في ظروف قاسية لتأمين احتياجات أسرهم، بينما تبقى العودة إلى مناطقهم هدفاً بعيد المنال بسبب دمار المنازل وارتفاع تكاليف إعادة الإعمار.
ويختم بالإشارة إلى أن أبرز المطالب تتمثل في تأمين عودة كريمة للنازحين، سواء عبر دعم مالي أو المساهمة في إعادة بناء منازلهم، إلى جانب تحسين واقع الخدمات داخل المخيمات مؤقتاً.
ولا تبدو أزمة المياه في مخيمات الشمال السوري، مجرد خلل خدمي عابر، بل مؤشراً على تراجع أوسع في منظومة الدعم الإنساني، وبين العطش وتراكم الأعباء المعيشية، يجد النازحون أنفسهم أمام واقع يزداد قسوة يوماً بعد آخر، دون حلول قريبة في الأفق.
ومع استمرار غياب التمويل وتشتت الاستجابة، تتسع الفجوة بين الاحتياجات الأساسية وما هو متاح فعلياً على الأرض، وتحضر التساؤلات عن مدى إمكانية صمود هذه المخيمات أمام هذا الانكماش الإنساني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك