الطريق نحو الدولة الفاعلة لا يبدأ من موازين القوة وحدها، بل من التقاء الإرادات الوطنية حول القضايا الكبرى التي تحدد مصير البلاد.
وفي السودان اليوم، حيث تتعقد الأزمة وتتشابك مساراتها، تبرز أهمية المبادرات التي تفتح أبواب الحوار بين القوى الوطنية ومؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق يكتسب اللقاء الذي جمع رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بوفد تحالف قوى الثورة للقضايا الوطنية (وطن) دلالة سياسية تستحق التوقف عندها وقراءتها في سياق البحث عن مخارج وطنية للأزمة السودانية.
فقد استقبل رئيس مجلس السيادة وفد التحالف وتسلم المذكرة التي قدمها، والتي تتضمن رؤية لمعالجة الأزمة الراهنة، تقوم على إنهاء الحرب وإحلال السلام عبر حوار سوداني ـ سوداني يضع القضايا الوطنية في إطارها الصحيح، ويبحث عن حلول نابعة من إرادة السودانيين أنفسهم.
إن أهمية هذا اللقاء لا تكمن فقط في طبيعته الرسمية، بل في الرسالة التي يحملها، وهي أن القضايا الوطنية الكبرى يمكن أن تكون مجالاً للتلاقي والحوار بين مختلف القوى الوطنية.
فالاستماع إلى المبادرات المدنية والتفاعل معها يمثل خطوة مهمة في اتجاه بناء مناخ سياسي أكثر انفتاحاً، يتيح مناقشة القضايا المصيرية بروح المسؤولية الوطنية.
وتأتي مبادرة تحالف قوى الثورة للقضايا الوطنية (وطن) في هذا السياق، باعتبارها محاولة لفتح أفق جديد للحوار الوطني، من خلال طرح رؤية تدعو إلى وقف الحرب، وإطلاق مسار سياسي جامع، والحفاظ على مؤسسات الدولة، والعمل على بناء توافق وطني واسع يضع مصلحة السودان فوق الاعتبارات الأخرى.
لقد أثبتت تجارب الدول التي مرت بظروف مشابهة أن إدارة الأزمات الوطنية الكبرى تتطلب توسيع دائرة الحوار وإشراك مختلف القوى الوطنية في البحث عن الحلول.
فالحروب مهما طال أمدها لا تنتهي إلا عبر تسويات سياسية تستند إلى إرادة وطنية مشتركة وإلى قدرة المجتمع على التوافق حول مستقبل الدولة.
إن ما يحتاجه السودان اليوم ليس مجرد تبادل للمواقف أو إدارة للخلافات السياسية، بل بناء إرادة وطنية مشتركة تتقدم خطوة نحو الحوار المسؤول حول القضايا الكبرى التي تمس مستقبل الدولة.
فالحرب التي أرهقت البلاد والمجتمع لا يمكن أن تنتهي إلا عبر مسار سياسي يستند إلى التفاهم والتوافق الوطني.
ومن هنا، فإن مثل هذه اللقاءات والمبادرات ينبغي أن تُقرأ باعتبارها فرصاً يمكن البناء عليها، لا أحداثاً عابرة في المشهد السياسي.
فحين تتلاقى الإرادات الوطنية حول هدف إنهاء الحرب وبناء السلام، يصبح الحوار السوداني ـ السوداني الطريق الأقرب لاستعادة الاستقرار وفتح أفق جديد أمام السودانيين.
فالطريق نحو الدولة الفاعلة يبدأ من القدرة على توحيد الإرادات الوطنية حول مصلحة الوطن، وإدارة القضايا الوطنية بروح المسؤولية والشراكة الوطنية، بما يفتح المجال أمام استعادة الدولة وبناء مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً للسودان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك