يحاول المسرح التكيف مع التحولات الكبيرة التي طغت على العالم في الأعوام الأخيرة، ورغم غياب جانب من تأثيره الثقافي وانحسار الجمهور، إلا أن توجهات حديثة وتغيرات جديدة بدأت تظهر على خشبته اليوم، لجذب الانتباه إلى أن هذا الفن الذي يُحتفى اليوم الجمعة بيومه العالمي، لا يزال قادراً على تجسيد هموم الإنسان وتطلعاته، وتحدي أدوات التفاعل والتواصل الأكثر انتشاراً في زمننا.
شهد المسرح السياسي منذ عام 2024 موجة جديدة، مدفوعاً بتصاعد الأزمات وتفاقم الحروب وتضخم دور الإعلام الرقمي.
وفي أوروبا تحديداً، تزايدت العروض التي تتناول قضايا السلطة والفساد والتضليل الإعلامي، مع حضور لافت لموضوعات مثل صعود اليمين المتطرف وأزمة أوكرانيا والنزاعات في الشرق الأوسط، وتداعيات الذكاء الاصطناعي على تفاعل الإنسان مع محيطه، إذ يسهم في تعريضه للتشتت بشكل مستمر.
يعد عرض" الغثيان غير القابل للاحتواء لأليك بالدوين"، الذي قدمته مجموعة" تي جي ووركس" للمسرح التجريبي في لندن خلال الشهر الجاري، أحد الأمثلة على هذه الموضوعات، عبر تركيزه على لحظة فارقة في حياة الممثل الأميركي أليك بالدوين، إذ يستلهم حادث مقتل المصورة هالينا هتشينز في موقع تصوير فيلم" راست" عام 2021 بوصفه رمزاً للعنف والتنصل من المسؤولية الإنسانية في عصر السوشال ميديا.
تناقش المسرحية عبثية الاعتذار الذي قدمه بالدوين في حينه، والإشاعات التي ضجت بها وسائل الإعلام، إذ يُظهِرُ الممثل الرئيس جيمس ألدريد القسوة واللامبالاة التي يتمتع بها البشر تجاه العديد من الأحداث، مجسداً نموذجاً لتَهربهم من الشعور بالذنب، أما باقي الفريق المسرحي، فإنهم يجسدون انتقاد تحول الألم الإنساني إلى مجرد محتوى قابل للمشاركة، يقدم المتلقون عبره تبريرات وأفكاراً لإرضاء ضمائرهم لا سعياً إلى تغيير الواقع.
تقوم الشخصيات في المسرحية بالتمرير عبر فيديوهات يوتيوب أو قراءة خلاصات الأخبار والاكتفاء بترك نوع من التعاطف المؤقت تجاه العديد من الأحداث التي يحاول العرض لفت الانتباه إليها انطلاقاً من حادثة هالينا، ومنها المشاهد الدقيقة لاستهداف الأطفال في فلسطين، حيث أظهر الممثلون باستخدامها اعتياد الأشخاص على إيجاد تبريرات لعدم الاكتراث، والاكتفاء بلمحة بسيطة لا تسهم في أي تغيير.
يحاول المسرح منافسة وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الإعلامتكشف المسرحية عن توجه جديد يربط المسرح بالأحداث الراهنة محلياً وعالمياً، لتحقيق تفاعل جماعي أكبر وأعمق تجاه قضايا مشتركة، كما في مسرحية" آل روزنبيرغ المقدسون" أيضاً، التي عرضت في لندن قبل أيام، وتجسد حياة عائلة يهودية قتل ابنها خلال الحرب، فيما تحقق الابنة في جرائم ضد الإنسانية في مدينة غزّة، مما يوقع الأسرة في سلسلة من التناقضات بين ما يعتقدونه وبين ما يحصل على أرض الواقع، لتنكشف الخلافات الأخلاقية والسياسية داخل البيت خلال ليلة واحدة مليئة بالتوتر، تعكس مدى تأثر البشر بالحروب حتى وإن كانوا بعيدين عن مراكزها.
بينما يحاول المسرح منافسة وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الإعلام المتنوعة عبر معالجة قضايا راهنة بأسلوب زمني بطيء وتركيز مكثف على أحداث تمر دون اهتمام كافٍ، فإن توجهاً آخر ظهر بين عامي 2021 و 2026، عبر موجة عروض مسرحية تنتشر مدعومة بالتكنولوجيا وتحاول استثمارها بدلاً من منافستها، ويشكل عرض" آرك" الذي بدأ تقديمه خارج الإطار التقليدي لمسرح برودواي في نيويورك، نموذجاً لأسلوب يستخدم تقنيات الواقع الافتراضي، إذ يحصل كل عضو في الجمهور على نظارات تساعده في مشاهدة المسرحية التي يظهر ممثلوها افتراضياً، ليروي كل منهم حكاية مؤثرة ويسرد تفاصيل وذكريات حول مجموعة من أحداثها.
ودون وجود خشبة مسرح أو تمثيل، يتركون المجال مفتوحاً للحضور من أجل التخيل والتذكر.
ورغم أن هذه التجربة تصل مدتها إلى خمس وأربعين دقيقة فقط، إلا أنها وُصفَت بالمغامرة المملة التي لن تحظى ربما باهتمام محبي المسرح، لأنها تقترب من تجارب المسلسلات والأفلام الوثائقية بشكل أكبر، ولا تحقق الهدف المرجو منها في استخدام التقنيات الحديثة لتطوير المسرح بقدر ما تطمس هويته الراسخة إن صح التعبير.
45% من الكتّاب المسرحيين يستخدمون الذكاء الاصطناعيفي المقابل، وإن كان هذا السياق التجريبي لا يعكس مستقبل المسرح، فإن هناك تجارب أخرى، من أهمها مشروع" الذكاء الاصطناعي: هل يمكن لروبوت كتابة مسرحية"، وهو عرض تجريبي امتد من عام 2021 حتى عام 2025 بالتعاون مع مسرح" سفيندا" وأكاديمية الفنون الأدائية في التشيك، ونتج عنه ورشات كتابة مسرحية وعرضٌ من تأليف نموذج" تشات جي بي تي" وتتلخص قصته في روبوت يموت صانعه، ويصبح مصيره متروكاً لقدرته على فهم البشر باختلافاتهم وتناقضاتهم ومثالياتهم، ليواجه تجربة صعبة يزيد من تعقيدها كونه ليس بشرياً، وهو ما يصور معضلة فلسفية معاصرة، تتمثل في البحث عن طبيعة الإنسان بعد التحولات الكبرى التي مر بها في العقود الأخيرة.
اليوم، تظهر أحدث الدراسات أن 45% من الكتاب المسرحيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي في نصوصهم، ضمن مسيرة المسرح في مواكبة أحداث انتشرت عالمياً، ومنها قضية التغير المناخي التي حظيت بالكثير من الاهتمام إلى حد أن كرس كثيرون حياتهم لأجلها، فيما رآها آخرون مجرد خرافة.
حيث عرض" كيوتو" الذي أعيد تقديمه في لندن ونيويورك عام 2025، وناقش اتفاقية كيوتو سياسياً وثقافياً، كما ظهرت مسرحيات أخرى ناقشت الموضوع ذاته، وركز معظمها على فكرة الانتقال من الخوف إلى الفعل، انطلاقاً من أهمية أن يمتلك البشر حقهم في تقرير جزء من مستقبل كوكبهم.
وسواء كان هذا أو ذاك، ظهرت" حركة مسرح التغير المناخي" بقوة خلال العامين الأخيرين، وقدمت عروضها لأشهر في عدة مدن أوروبية، عبر سلسلة مسرحيات قصيرة تحفز على الاهتمام بهذا الموضوع، إلى جانب عرض" كيوتو" الذي أعيد تقديمه في لندن ونيويورك عام 2025، وناقش اتفاقية كيوتو سياسياً وثقافياً، كما ظهرت مسرحيات أخرى ناقشت الموضوع ذاته، وركز معظمها على فكرة الانتقال من الخوف إلى الفعل، انطلاقاً من أهمية أن يمتلك البشر حقهم في تقرير جزء من مستقبل كوكبهم.
وربما أن عروضاً أخرى، من أبرزها" فتاة الطقس" الذي انطلق عام 2024 في إدنبرة، وعاد للخشبة مجدداً بعد منتصف عام 2025 في نيويورك، يحمل صورة مكثفة للمسرح الذي يجمع بين السياسة والثقافة والأزمات العالمية، من خلال فتاة تقدم نشرة الطقس بابتسامة وثقة مطلوبتين منها أمام الكاميرا لترك تأثير إعلامي متميز، فيما كوارث بيئية وحروب ومآسٍ من العالم تحيطها في غرفة الأخبار، وتبدو كما يمكن وصفها؛ ممثلة أدركت مدى صعوبة أن يكون المسرح انعكاساً لأحداث العالم الراهنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك