في وقت تواجه فيه الكنوز الأثرية اللبنانية أخطارًا متزايدة تحت وطأة الحرب والاعتداءات، افتتح معهد العالم العربي في باريس معرضًا في واحدة من أعرق مدن المتوسط: جبيل، أو بيبلوس، بعنوان" بيبلوس: المدينة الخالدة".
وتزامن الافتتاح مع إعلان معهد العالم العربي في باريس، والوكالة الفرنسية للتنمية، والتحالف الدولي لحماية التراث، عن إنشاء صندوق طارئ مخصص للتدخل العاجل لحماية المعالم الأثرية والمواقع الأركيولوجية والمتاحف ومجموعاتها في لبنان.
وقالت آن كلير لوجاندر، مديرة معهد العالم العربي في باريس، " في وقت تتصاعد فيه الحرب وتتعرض مواقع في لبنان للقصف من قبل إسرائيل، وهي مواقع مدرجة ضمن التراث العالمي للإنسانية، يأتي هذا المعرض ليؤكد مدى قيمة هذا التراث للإنسانية جمعاء، والمسؤولية الجماعية في الحفاظ عليه".
وأضافت أن المعرض كان من المقرر إقامته عام 2024، لكنه تعلّق بسبب الحرب، وبعد وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تقرر استئناف العمل عليه، لكن في الأسابيع الأخيرة التي سبقت افتتاحه، وجد المنظمون أنفسهم مجددًا في خضم النزاع، مع مجموعة من الأعمال التي لم يعد بالإمكان نقلها إلى فرنسا.
في المقابل، تقرر إرسال مجموعة أخرى من الأعمال بالتنسيق مع السلطات اللبنانية وبدعم من الجيش اللبناني، وفي ظروف أمنية خاصة للغاية.
ويركز المعرض على أقدم الفترات التي ساهمت في إغناء تاريخ جبيل، انطلاقًا من أصولها حين استقر فيها أول السكان قبل نحو 9000 سنة، وصولًا إلى نهاية الفترة الرومانية.
وعلى الرغم من أن جبيل كانت تقع بين الإمبراطورية الفارسية من جهة، وهيمنة الفراعنة على مصر من جهة أخرى، ما كان يهدد استقلالها، فإنها تمكنت من الحفاظ على قدر من الاستقلالية وعلى اعتراف من هاتين الإمبراطوريتين.
ويرى القائمون على المعرض في ذلك استعارة لحال لبنان اليوم، الذي استطاع الحفاظ على نموذجه عبر الابتكار والإبداع، وهو ما يجب الحفاظ عليه.
تضرر المواقع الثقافية والتراثيةوفي سياق متابعة حجم الأضرار التي طالت القطاع الثقافي في لبنان، تحدث وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة في لقاء خاص عن هذه الأضرار التي لحقت بالمواقع الثقافية والتراثية نتيجة العدوان الإسرائيلي، مؤكدًا أن الخسائر لا تقتصر على المعالم الأثرية، بل تشمل أيضًا القرى والأسواق التاريخية، التي تمثل جزءًا من ذاكرة لبنان.
وأشار سلامة إلى أن ما يتعرض له هذا الإرث يشكل تهديدًا مباشرًا للذاكرة الثقافية للبلاد، كاشفًا عن استهداف مواقع أثرية عدة، وتعذر إرسال خبراء لتقييم الأضرار بسبب الظروف الأمنية.
كما تحدث عن أضرار لحقت بمتحف قيد الإنشاء في صور، وبموقع البص الأثري، إضافة إلى الدمار الذي طال القرى والأسواق، مثل سوق النبطية وقرى كفركلا وغيرها.
كما كشف الوزير عن استهداف مباشر للمكتبات، حيث دُمِّر عدد منها وتضررت أخرى، موضحًا أنه طلب من منظمة اليونسكو توسيع نطاق الحماية المعززة لتشمل مواقع إضافية، في محاولة للحد من الخسائر التي تطال التراث.
وأشار إلى أن نحو 11 مكتبة عامة تضررت بدرجات متفاوتة، بينها ثلاث دُمِّرت بالكامل، فيما أُغلقت أخرى بسبب النزوح السكاني.
ولم يقتصر الضرر على البنية المادية، بل شمل تعطّل الدور الثقافي لهذه المؤسسات التي كانت تشكل فضاءات تعليمية ومجتمعية، خاصة للأطفال.
وقد ضجّت منصات التواصل الاجتماعي بموجة تضامن واسعة مع المكتبات والمواقع الأثرية، باعتبارها ذاكرة لا تُعوَّض.
وفي هذا السياق، كتب الكاتب المغربي أحمد المديني منشورًا عبّر فيه عن تضامنه، وندّد بما وصفه باستهداف الإبداع والمعرفة.
اعتداء على الخيال والمعرفةوخلال مداخلة له، عبّر المديني عن حزنه العميق لتدمير مخزن" المركز الثقافي للكتاب"، معتبرًا أن ما حدث ليس مجرد خسارة مادية، بل اعتداء على الخيال والمعرفة.
وأكد أن استهداف الكتب يُعد جريمة تتجاوز كونها جريمة حرب، لتصبح جريمة بحق الإنسانية، لأنها تمس الفكر والروح والمخيلة.
كما شدد على أن مثل هذه الحروب، رغم قسوتها، قد تُنتج أشكالًا جديدة من الكتابة والإبداع، مشيرًا إلى أن الأدب غالبًا ما يواكب التحولات الكبرى، كما حدث بعد نكسة عام 1967.
وفي ختام حديثه، أكد أن المثقفين والكتاب العرب يدينون هذه الاعتداءات، ويتمسكون بدورهم في الدفاع عن الإنسان وقيمه عبر الكلمة والفكر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك