عمان-" هل يوجد يوم دولي للضمير؟ "، بتعجب وتساؤل، عبر كثيرون عن عدم معرفتهم بوجود" اليوم الدولي للضمير"، الذي يصادف الخامس من نيسان (أبريل) من كل عام، وفي كل مرة يأتي تحت شعار ونداء عالمي تطلقه الأمم المتحدة في سبيل" إحياء الأمم بسلام".
اضافة اعلانلكن، يتساءل كل إنسان: ما مقياس" راحة الضمير" من شخص إلى آخر؟ فمنهم من يرى أن القيام بالواجبات الخاصة والعامة بكل أمانة وإخلاص، معنويا وروحانيا، هو راحة للضمير الذي يرتبط بـ" النوايا"، فيما يرى آخرون أن الضمير الحي يحتاج إلى قوة وشجاعة للتعبير عن النفس والرأي من دون قيود، وأن" يرضى الإنسان لغيره ما يرضاه لنفسه".
الأمم المتحدة، التي تعنى بتخصيص الأيام والاحتفالات الدولية، أكدت في بيانها بمناسبة هذا اليوم أنه" لا سلام بلا ضمير، ولا عدالة بلا مسؤولية مشتركة، ولا إنسانية بلا تضامن، وبمثل هذه المبادئ تسمو الأمم، وتشيد معالم عالم أكثر تناغما، أعدل في جوهره، وأشمل في إنسانيته".
كما وصف البيان الذي يحتفي بهذا اليوم أن الضمير ما هو إلا" نبراس يذكرنا بالدور الجوهري للضمير في دفع النفوس إلى دروب السلم والصفح والاحترام المتبادل"، وجاءت الدعوة للاحتفال به" ليوقظ جذوة التأمل الأخلاقي، ويستحث فينا الرحمة، في زمن تشتد فيه الأزمات وتتقاطع فيه التحديات على امتداد الأفق، دعما لحقوق الإنسان، وتعزيزا للتعامل الراقي بين البشر من دون تفرقة".
تعزيز القيم الأخلاقية داخل المجتمعالاختصاصي في علم الاجتماع الأسري مفيد سرحان، يقول إن أهمية بناء الضمير الحي لدى الأفراد تشكل ركيزة أساسية في ضبط السلوك الإنساني وتعزيز القيم الأخلاقية داخل المجتمع، كما أن الضمير يمثل شعورا إنسانيا يجعل الإنسان رقيبا على تصرفاته، وهو قوة روحية توجه مواقفه وتفكيره، وتساعده على التمييز بين الخير والشر، بما يحقق له الراحة النفسية والرضا.
كما يرى سرحان أن" الضمير الحي" يمثل ميزان الحق والباطل والصواب والخطأ، وأن غيابه يؤدي إلى اضطراب السلوك الإنساني وانتشار الأحقاد وتعطل القيم الإنسانية، عدا عن أنه يلازم الإنسان في مختلف الظروف، سواء في أوقات الرخاء أو الشدة، وفي غياب الرقابة الخارجية، ما يجعله عنصرا حاسما في توجيه السلوك الذاتي.
وفي هذا العام تحديدا، يأتي الاحتفال، وفق الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتأكيد" ضرورة تهيئة ظروف من الاستقرار والرفاه، وإقامة علاقات سلمية وودية على أساس احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا من دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين".
وما إن نشرت العديد من الكتابات على مواقع التواصل الاجتماعي تتناول الاحتفاء باليوم الدولي للضمير، حتى بدأت مشاركات متعددة تتناول الموضوع، كل من وجهة نظره، لكنها اتفقت جميعها على أن الضمير هو" محرك الخير والشر في هذا العالم"، لذلك على الإنسان أن يربط ضميره دوما بنظرته للإنسان كإنسان من دون تفريق، كما تقول ساجدة المغربي.
ممارسات يومية تنعكس في السلوكومن خلال ما قرأته من تفاصيل ومنشورات عن هذا اليوم الدولي، تقول ساجدة" إننا كثيرا ما نسمع مصطلح" الضمير الحي" ويردده الأهل كثيرا، حتى بتنا نجعل من" فكرة الضمير" رقيبا علينا في كل تصرفاتنا، ونحاول جاهدين أن نبقى من ذوي الضمائر الحية".
وهنا يؤكد سرحان أن ديننا الحنيف أولى اهتماما كبيرا بالضمير، بحيث يبقى الضمير حيا حتى في غياب رقابة الآخرين، وأن تقوية الوازع الديني تسهم بشكل مباشر في بناء مجتمعات مستقرة وسعيدة.
بينما يؤدي ضعف هذا الوازع إلى زيادة المشكلات الاجتماعية رغم تطور القوانين، فكلما زاد الإيمان ازدادت حساسية الفرد تجاه الأخطاء والشبهات، والعكس صحيح.
ويصف سرحان مصطلح" الضمير الحي" بأنه يعمل كجهاز استشعار داخلي يدفع الإنسان نحو العمل النافع، ويعزز روح الانتماء والمسؤولية، معتبرا إياه خط الدفاع الأول ضد الانحراف، ولا يقتصر الضمير على الشعور بالذنب، بل هو ممارسة يومية تنعكس في السلوك، وتمثل التطبيق العملي للقيم والمبادئ.
وعلى سبيل المثال، كتب مراد المواجدة عبر حسابه الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي: " الضمير هو البوصلة التي ترشد الإنسان نحو الخير، فليكن حاضرا في أقوالنا وأفعالنا، ولنجعل منه نورا يقودنا نحو عالم أكثر عدلا ورحمة، فالضمير الحي هو الذي يجعل حياتنا أكثر راحة وطمأنينة".
دور الأسرة والمؤسسات التربويةويلفت سرحان إلى أن تنمية الضمير تبدأ من الطفولة، من خلال غرس القيم الأخلاقية وتعليم التمييز بين الصواب والخطأ، مؤكدا دور الأسرة والمؤسسات التربوية في هذه العملية عبر القدوة والحوار، داعيا إلى التركيز على تعزيز الرقابة الذاتية لدى الأبناء، باعتبارها أكثر فاعلية من الرقابة الخارجية، موضحا أن الضمير ينمو بالتربية.
بناء الضمير الحي في زمن تتنازع فيه الأصوات والصور والأفكار ليس مهمة سهلة، لكنه من أهم الرسائل التي يمكن أن يحملها الأهل والمربون، فالضمير هو الرفيق الذي يظل مع الإنسان حتى حين يغيب الرقيب الخارجي، وهو الحارس الداخلي الذي يحفظ اتزان النفس ويحميها من السقوط.
ومن خلال تعليقها أيضا على أحد منشورات السوشال ميديا، فيما يتعلق بـ" اليوم الدولي للضمير"، تعتقد رهف المدني" أننا الآن في مرحلة أحوج ما نكون فيها إلى" صحوة الضمير"، وأن يكون لدينا إيمان كاف بأن الإنسانية والتراحم هما ما يجمع العالم حتى يعم السلام والتقبل في الأرجاء"، وتتمنى أن يجد هذا اليوم" صدى لدى الدول والأشخاص على حد سواء، على أمل أن تنتصر الإنسانية على المادة"، على حد تعبيرها.
لذا، يحذر سرحان من أن ضعف الضمير يؤدي إلى تضييع الحقوق وتغليب المصالح الشخصية وانتشار الظلم، بينما يسهم الضمير الحي في ترسيخ العدالة والتكافل، وتتجلى أهمية الضمير الحي بشكل أكبر في الأزمات، حيث يظهر في حاجات الناس حين يقدم أصحاب الضمائر الحية المصلحة العامة على الخاصة.
وفي النهاية، يؤكد سرحان أن الضمير، بخيره وشره، هو المحرك الأساسي لسلوك الإنسان، وهو ما يدفعه للقيام بواجباته بأمانة وإخلاص ويسهم في بناء مجتمع متماسك قائم على القيم، وأن الضمير الحي ليس مجرد شعور بالذنب إذا أخطأنا، ولا مجرد خوف من العقوبة، بل هو سلوك يومي في كل الظروف، وترجمة عملية للقيم والمبادئ النظرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك