تطالعنا الباحثة في هذا الكتاب بمجموعة قراءات أسلوبية لظواهر بارزة في الشعر الأردني المعاصر هي ( الرمز والانزياح والتكرار والدراما والمفارقة)، وهي ظواهر مهمة في الكشف عن العلائق الجمالية في بنية القصيدة الأردنية وفضاء متخيلها الجمالي، فالقصيدة التي تخلو من هذه الظواهر هي عقيمة أو ضحلة في تحولاتها الحداثوية في الكشف النصي، وقد أشارت الباحثة إلى أن هذه الدراسة تتناول جوانب مهمة من التجربة الشعرية لشعراء أردنيين تحت ما يسمى ب( جماليات التلقي والتأويل)من خلال دراسة الرمز والانزياح والتكرار بوصفه مدخلاً تحليلياً للكشف عن المفاتيح الأسلوبية في خلق التحولات الجمالية في بنية القصيدة الأردنية ومعطياتها في خلق الاستثارة والتأثير.
وتؤكد الباحثة أن كتابها يناقش نظرية جماليات التلقي والتأويل، وترى أن اختيارها لهذه النظرية يعود إلى ما فيها من دقة وموضوعة في الكشف عن البنى الحداثوية الدالة في النصوص الأدبية الحديثة التي تنبني على أسس قيمة، وطرائق مبتكرة في مستويات إبداعها الفني.
لأنها تراعي بنية النص وأحواله، وطبقاته الإبداعية، وفي الآن نفسه تعطي المتلقي دوراً مهماً في ملء الفراغات التأويلية بما يستنطق النص من الداخل من خلال بناه وفواعله النصية.
وبذلك جاءت هذه النظرية لتعيد للقارئ مكانته - حسب زعمها- بعد أن أهمل هذا الدور في الدراسات النقدية القديمة، الأمر الذي جعل النص حقلاً معرفياً شاملاً للكثير من القضايا الوجودية المعاصرة وتقلباتها وتغيراتها الكثيرة، مما جعل النص الشعري الحديث لايركن إلى قراءة واحدة، بل جعل النص الواحد يحمل الكثير من القراءات المتعددة مما يثري النص الأدبي ويجدد معطياته ومؤثراته على الدوام.
وترى الباحثة أن كتابها يتأسس على نظرية أو مفهوم ( القارئ الضمني) التي نادى بها (ياوس)، ومنها كسر أفق التوقع، فكسر أفق التوقع _ وفق هذه النظرية_ قادر على إحداث تفاعل ما بين المتلقي والنص، وهو يكسب النص قدراً من الجمالية والفاعلية والاستثارة الجمالية، لأن الدهشة التي تتأتى من كسر النص لأفق التوقع تجعل النص مغرياً للمتلقي لإعادة النظر بها مرات ومرات، وهذا يؤكد نجاح النص في استقطاب المتلقي، وجذبه إلى دائرته الإبداعية.
وينطوي هذا الكتاب على فصليين مهمين، حيث تناول الفصل الأول (جماليات التلقي والتأويل في الشعر الأردني المعاصر، وقد تناولت فيه الباحثة ثلاثة مباحث: هما الرمز والانزياح والتكرار بوصفها ظاهرة إيقاعية جمالية تدخل في صميم الرؤيا الشعرية، بل تدخل ضمن إنتاج الدلالات وحراكها الفني وتنامي الرؤى والدلالات الشعرية.
في حين جاء الفصل الثاني ليدرس آليات التلقي الحديث وتفعيل البنى الداخلية في القصيدة، أي رصد الحركة التكوينية الأساسية التي تنبني عليها القصائد الحداثية من دراما ومفارقة وغيرها من التقنيات التي تحرك بنية النص الشعري من الداخل.
وقد وقع اختيار الباحثة في هذا الكتاب على شعراء أردنيين مهمين في حركة الحداثة الشعرية والشعر المعاصر وهم حيدر محمود، ومحمد سمحان، ومحمد خضير، وعلي الفاعوري، وإيمان محمد عبد الهادي.
ما يميز الكتاب على المستوى المنهجي تتبع الباحثة للظاهرة الأسلوبية بدقة، من خلال التأسيس للمصطلح النقدي لغوياً واصلاحياً، والتعريف به واستخدام السابقين له وتوظيف الشعراء له في نصوصهم ليأتي الحكم النقدي مؤسساً على أرضية تجذرية صلبة من الكشف والتحليل والاستدلال والاستنتاج النهائي.
وهذا ما ينطبق على الدراما والمفارقة والتكرار والرمز والانزياح، أي ثمة مرجعية كشفية بحثية دقيقة تجعل هذا الكتاب من الكتب المهمة في التحليل والكشف النصي, لاسيما أن حقل الدراسة جاء متجذراً على تجارب شعراء أردنيين مؤثرين في حركة التطور والحداثة في الشعر المعاصر.
ما يميز هذا الكتاب كذلك أن كشفها لفاعلية الدراما الشعرية في قصائد الشعراء أنها تتبعت فضاء الحركة الدرامية في رصد تحولات المعاني والرؤى في تجربة الشعراء، وهذا يضفي على الدراسة القيمة والمرجعية التأثيرية ويدلل على عمق الكشف وفاعلية الرؤى المستنبطة من داخل النص الشعري وليست من خارجه.
ولو أن الباحثة تطرقت إلى فاعلية الدراما البصرية بمزيد من الحنكة والوعي المعرفي لكان هذا العمل مفتاحاً استثنائياً في الكشف النصي، فالدراما البصرية لاغنى عنها في الكشف الدرامي اللغوي، وهذا يجعل دراستها للدراما الشعرية بحاجة إلى الإبحار بها أكثر في دراسات نصية قادمة لأن الباحثة تملك مقومات الكشف النصي العميق وتملك الكفاءة والحنكة الجمالية.
وأخيراً، إن هذا الكتاب بحث فني جمالي عميق في الكشف عن لغة الحداثة وفاعلية تتبع الظواهر الفنية بأسلوب رصين.
وهذا هو مكسب لمكتباتنا العربية النقدية المعاصرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك