عمان – الدستور - نضال برقان«السردية الأردنية.
الأرض والإنسان» مبادرة وطنية أطلقتها وزارة الثقافة، استجابة لرؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، لتوثيق المسار الثقافي والاجتماعي للأردن، وتعزيز الوعي بالهوية الوطنية والانتماء.
يسعى المشروع إلى رواية حكاية الإنسان الأردني الذي تجذّر في أرضه، وأسهم في بناء دولته عبر محطات مفصلية من التاريخ، مستندًا إلى قيم الصمود والبناء والتنوع، ومؤكدًا شمولية الحكاية بوصفها قصة مجتمع لا نخبة فقط.
في سياق هذا المشروع الوطني، نحاور كوكبة من المبدعين الأردنيين، سعيًا إلى مقاربة دور الإبداع في تشكيل الوعي الجمعي، وقراءة موقع الكاتب داخل هذه السردية.
ووقفتنا الآتية مع الباحث الدكتور عزمي حجرات، وهو عضو اتحاد الكتاب الأردنيين، وله كتاب «القائد بين مفهوم الفكر الإسلامي والمدارس الحديثة»، وكتاب «الملكية والاستقرار السياسي في الأردن»، حاصل على وسام جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين للتميز من الدرجة الثالثة، وقد قدم وعلى مدى 8 سنوات شرحا مفصلا حول الأوراق النقاشية الملكية، وتحدث في عدة محاضرات عن فكر جلالة الملك ولغة الخطاب والسلام لدى جلالته، كما قدم محاضرات حول أهمية الأحزاب السياسية، وشرعية الهاشميين في حكم الأردن، ومعيقات تنفيذ الرؤيا الملكية، والتخاصية والمديونية، وقدم أسباب الاهتمام الملكي في الأحزاب السياسية والكثير، وله عدد من الأبحاث المنشورة.
كيف ترى مفهوم «السردية الأردنية» خارج الإطار التعريفي الرسمي؟ هل تراها رواية جامعة، أم فسيفساء من الروايات المتجاورة؟- لطالما ارتبط مفهوم السردية الوطنية الأردنية بالإطار التعريفي الرسمي كبناء سياسي وتاريخي يستمد شرعيته من إرث الثورة العربية الكبرى، والوصاية الهاشمية، والدور الإقليمي.
ولكن، حين نخرجها من قوالبها الجامدة لنضعها تحت مجهر الإبداع، نكتشف أنها فسيفساء حية من الروايات المتجاورة التي انصهرت في النهاية داخل بوتقة الدولة الرسالية.
إنها سردية تتسع للتعددية، وتحول التنوع الناتج عن موجات الهجرات واللجوء إلى مصدر قوة وثراء، لتغدو رواية جامعة تحتفي بالتعدد.
أين يقف مشروعك الإبداعي داخل هذه السردية؟ هل تكتب من موقع الشاهد، أم الناقد، أم الباحث عن زاوية مختلفة؟- أقف في مشروعي الإبداعي داخل هذه السردية في مساحة تتقاطع فيها أدوار الشاهد والباحث والناقد المنتمي.
أنا لا أكتفي بإعادة إنتاج الخطاب الرسمي أو التوثيق التاريخي الجاف، بل أغوص في الأعماق لـأنسنة هذه المرتكزات؛ أبحث عن الزوايا الإنسانية الصامتة لالإنسان المواطن الذي حمل على كاهله عبء وتكاليف الدولة الرسالية.
أكتب لأشهد إبداعياً على كيف ترجم الأردنيون مفاهيم المنعة، والتكيّف الإيجابي، والوسطية إلى يوميات معاشة مكّنتهم من الصمود في وجه أعاصير الإقليم.
مشروعي هو محاولة لقراءة التفاعلات الحية داخل مجتمع تشكّل من موجات اللجوء والهجرات، لأروي كيف حوّل هذا الإنسان تداعيات الجغرافيا والتزامه العروبي الثابت إلى مصدر لثراء هويته الوطنية الجامعة، وكيف مارس النقد البنّاء كأداة لتصويب المسار لا للتشكيك.
إلى أي حد تتشكل الهوية الأدبية من الجغرافيا؟ وكيف يتجلى المكان الأردني في أعمالك بوصفه معنى لا مجرد خلفية؟- في السردية الأردنية، لا تعود الجغرافيا مجرد خلفية صامتة أو مسرح جامد للأحداث.
بل تتجلى الجغرافيا كمعنى أخلاقي يجسد دور الأردن كملجأ آمن يسعى لتحقيق الاستقرار في المشرق العربي.
هذا الدور يُضفي على المكان عمقاً فاعلاً يجعل من الجغرافيا شريكاً في صناعة الهوية والرسالة، وليس مجرد حدود صماء.
الأردن تشكّل عبر الزمن من حكايات بشر قدموا من جغرافيات وتجارب مختلفة.
إلى أي حد استطاع الأدب الأردني أن يلتقط هذا التعدد الإنساني بوصفه مصدرًا لثراء الهوية؟- استطاع الأدب أن يبرز هذا التعدد من خلال توثيق كيف انصهرت هذه الحكايات في قصة واحدة للدولة والمكان.
لقد تبنت السردية الأردنية هذا التنوع بوصفه ركيزة أساسية، والأدب بدوره التقط هذه الروح ليعكس مجتمعاً تأسس على قيم التسامح وقبول الآخر، محولاً اختلاف الجغرافيات والتجارب إلى مصدر لثراء الهوية الوطنية الجامعة.
المشروع يركز على «الإنسان الذي صنع التاريخ»؛ من هو هذا الإنسان في نصوصك؟ البطل؟ المهمّش؟ أم الصوت الصامت؟- البطل الحقيقي في هذه السردية هو الإنسان المواطن؛ ذلك الصوت الذي قد يبدو صامتاً وسط زحام الأحداث، لكنه هو من صنع التاريخ بمرونته وقدرته الفائقة على امتصاص الصدمات الخارجية، وتحمل الضغوط دون المساس بالاستقرار الجوهري للدولة.
إنه بطل المنعة اليومية.
كيف يمكن للإبداع أن يقترب من محطات مفصلية في تاريخ الأردن -مثل الثورة العربية الكبرى أو معركة الكرامة- دون أن يتحول إلى خطاب تقريري؟- يمكن ذلك من خلال الاقتراب من هذه المحطات ليس كتواريخ مجردة، بل كـقيم تعكس الوضوح الأخلاقي والتزام الدولة بالدفاع عن الحق والكرامة العربية.
يتجلى هذا المعنى منذ فجر النهضة في المقولة الخالدة لقائد الثورة العربية الكبرى، الشريف الحسين بن علي: «إنّما نحن طلاب حق، ولسنا طلاب ملك».
هذا الاستشهاد يجعل الإبداع ينبض بالروح الإنسانية والمبدئية، متجاوزاً جفاف الخطاب التقريري.
هل يمكن أن تتعايش السردية الوطنية الجامعة مع سرديات الاختلاف والألم والاحتجاج، أم أن بعض الحكايات تُؤجَّل دائمًا؟- بكل تأكيد، إن السردية الوطنية الأردنية، القائمة على قيم الوسطية ورفض الغلو، تمتلك المرونة الكافية لتسمح بتعايش حكايات الألم والاحتجاج ضمن الرواية الجامعة، وتستوعبها كجزء من تفاعلات مجتمع حي يسعى نحو النهوض وتصويب المسار.
كيف نوازن بين الانتماء الوطني وحرية الكاتب في النقد والمساءلة؟- الانتماء الحقيقي لا يلغي حرية النقد، بل يوجهها نحو تعزيز المنعة الوطنية وتصويب المسارات، بعيداً عن سرديات التشكيك.
ولعل الضمانة الأكبر لهذا التوازن تتجلى في رؤية جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حين قال: «إن سيادة القانون لا تعني فقط تطبيق القانون على المواطنين، بل تعني أيضاً التزام جميع المؤسسات والمسؤولين به، والمساءلة هي الضمانة الحقيقية لذلك، فلا أحد فوق القانون».
بهذه الرؤية يصبح النقد والمساءلة أداة للبناء والارتقاء.
في رأيك، ما الذي لم يُحكَ بعد في القصة الأردنية؟- ما لم يُحكَ بعد بالقدر الكافي هو تفاصيل اليوميات الصامتة والتضحيات التي قُدمت بعيداً عن الأضواء.
لم نغص تماماً في التحول النفسي والاجتماعي للإنسان الأردني الذي وازن بعبقرية مذهلة بين الانخراط الوجداني في قضايا الأمة (وعلى رأسها فلسطين)، وبين متطلبات الحفاظ على استقرار بيته الداخلي وتماسكه.
إذا طُلب منك أن تكتب فصلًا موجَّهًا إلى الأجيال القادمة ضمن «السردية الأردنية»، ماذا سيكون عنوانه؟- سيكون عنوانه: «حُرّاس الرسالة: من المنعة الوطنية إلى آفاق المستقبل».
ليكون وثيقة تؤكد استمرارية دور الأردن القائم على حماية المصالح الوطنية بالتوازي مع الالتزام العروبي والدفاع عن المقدسات.
وهو نهج هاشمي راسخ، بدأ مع الملك المؤسس عبدالله الاول: « إن الأردن هو جزء من الأمة العربية، وواجبه القومي يفرض عليه أن يكون دائماً في طليعة المدافعين عن حقوقها ومقدساتها».
وتجذر كعقيدة مع الملك الحسين بن طلال: «إن القدس أمانة في أعناقنا، ولن نفرط في ذرة من ترابها».
ويستمر اليوم كأولوية قصوى مع الملك عبدالله الثاني: «ان الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس هي واجب تاريخي وديني نعتز بحمله».
كيف ترى دور الشباب في إعادة صياغة هذه السردية بلغة العصر الرقمي وتحولاته؟- الشباب هم الورثة الشرعيون لهذا الطموح والمشروع الحضاري، وهم من سيصيغون لغة العصر الرقمي الجديدة.
وقد جسد المغفور له الملك الحسين بن طلال هذه المكانة بقوله: «إن الشباب هم ثروة الوطن الحقيقية، وهم بناة المستقبل».
واليوم، يضع جلالة الملك عبد الله الثاني ثقته المطلقة فيهم مخاطباً إياهم: «فرسان التغيير، الذين ننتظر منهم أن يكونوا في طليعة المبدعين.
مسلحين بالعلم والمعرفة وقيم الانتماء».
بناءً على ذلك، يقع على عاتق الشباب نقل قيم التسامح والوصاية الهاشمية للعالم عبر الفضاء الرقمي، وترسيخ مفهوم المواطنة.
وبجملة واحدة ختامية: يجب ألا ننسى أبداً أن الدولة الأردنية لم تنشأ ككيان نفعي عابر، بل تأسست كرسالة حضارية تحمل أبعاداً إنسانية وقومية أوسع من مجرد الجغرافيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك