ونليق بها غير هذي البلاد)وهنا تستلزم الضرورة التاريخية التوقف عند مداخل لها من اللزوم والذكر أهمية بالتعرض لما يمهد الوصول إلى صراع النفوذ والمصالح الذي كثيرا ما يؤدي إلى الانفجار.
لقد كانت ليبيا مهيأة تماما لهذا الذي وصلت إليه في سبتمبر بسهولة ويسر.
لم يكن الأمر داخليا فقط.
تشابكت معه مصالح لا يريد الأقوياء في العالم خسارتها في وضح النهار.
توطئة هنا أراها لازمة:صندوق الرمال الذي كان طلسما ومغلقا ظل يملك مكانا حيويا للغاية في قلب العالم.
أقدامه في البحر الذي أمامه وكان سيده في قرون ماضيات.
وخلفه الصحراء الممتدة الآفاق عند أفريقيا البكر.
غاباتها ومعادنها.
إنه ليبيا أرض السباع كما وصفها هيرودوت قديما وكما أشار بأن الجديد يأتي منها.
حضارة تناسلت في أويا وقورينا ولبدة.
وغيرها.
كانت توصف بأنها قارة ذات يوم بعيد وتشمل منطقة عظيمة الاتساع.
تتجاوزها وتنزاح إلى أن يغيب البصر.
صندوق الرمال احتوى مناطق ومواقع كثيرة.
فسيفساء المكان والزمان.
المسألة الحيوية انتبه لها الحلفاء والمحور وكل الجيوش الغادية والرائحة.
المنتصرة والمنهزمة والساسة خلال نقاط مفصلية في الحرب العالمية الثانية.
تلك الحرب التي رسمت مصائر كثير من الشعوب وخرائطها ومنها ليبيا الصندوق.
ستطل يومها على نوافذ وأبواب أخرى.
الحرب التي ولد قريبا من وهجها الشلماني والقذافي.
سيدرسان تاريخ هذه الحرب في قاعات الكلية العسكرية ويدركون حساسية المكان والزمان لليبيا.
والحرب تسفر عن تداعيات في الغالب.
إنها ليست عبثا فقط.
ثمة من يراها خطوة للثأر من المظالم والشرور وعبرها تحصل الشعوب على الحقوق.
الحرب دمار لكنها نقلة إلى جسور أخرى عند أصحاب الاستراتيجيات والمطامع والمصالح.
ليبيا عاصرت حروب القرن العشرين منذ البداية ونالت من عصفها الحزن والتشريد والهموم.
وفي الأربعينيات وصل العالم إلى عتبة التغيرات والصراعات التي لا تتوقف عند حد.
الفقر والرماد والجوع والحنين إلى مستقبل قادم غمر صدور الليبيين.
وفي العالم الآخر ظلت البارات تفتح والأنخاب تشرب بعد الحرب.
الموسيقى والفن والرياضة.
حياة تتسع وتنتج عنها حيوات أخرى.
فيما المصالح والتكالب تفغر أفواهها نحو هذا الصندوق وسط حقول الرمال.
لم تكن ليبيا بدعا من المناطق لكنها في مخاض الحرب العالمية وما بعدها أضحت علامة مهمة من علامات المطامع والشد والجذب.
لن تظل ليبيا بهذا صندوقا مغلقا.
كان الساسة الكبار يعرفون ذلك جيدا ويدركونه ويشتغلون عليه بكل صبر.
يتسابقون ويتصارعون في الحلبة دون أن يصيبهم الدوار.
ليبيا مغرية جدا.
تسيل لعاب الآخرين وتستنهض قواهم للتحرك وغرس الأقدام في الرمال المتحركة والقلقة في كل الأيام.
والواقع على ما بدا يتضح في تلك الفترة في منتصف الستينيات أن ثمة صراعات وتنافسات غير منظورة تلاحظ بطريقة أو بأخرى بين المصالح المتشابكة الظاهرة والمخفية تحديدا للولايات المتحدة والمملكة المتحدة (أميركا ـ بريطانيا).
قد يكون في مجمله أو في صورته الحقيقية صراع مخابرات أو قوى مستترة تدير اللعبة من وراء الستار وتلاحق الأوضاع في ليبيا وتراقبها وتجيد الثرثرة عنها مع احتساء النبيذ والأنخاب ورائحة الشواء في المآدب العامرة.
إنها تريد الوصول بشأنها وما يتعلق بتفاصيلها المزمنة والملحة.
إلى حل سريع وحاسم وليس حلا مؤقتا أو مؤجلا.
الصندوق لا يحتمل الكثير من الوقت ليظل مغلقا.
ربما تقترب ساعة الانفجار.
أهميته في أعوام الخمسينيات والستينيات تلوح في الخرائط ورسم السياسات وإعداد الخطط والعمليات والتحركات.
الصندوق الذي أمام البحر وخلفه الصحراء البعيدة الكبيرة صار منجما للمعادن.
فاحت رائحة البترول الأسود.
عصب العالم وشريانه في كل الأزمنة.
هل يبقى هكذا.
محصورا في الوقت الصعب والحائر.
الوعي عند الآخرين بقيمة المكان وحيويته وثرواته واتساعه وقلة البشر خلاله والفراغ وكل شيء يدعو إلى المزيد من المراقبة.
العيون الحادة أبدا في العواصم خلف البحار والمحيطات لا تغفل عن الصندوق.
ثمة تململ بين الحين والآخر.
عوائد البترول تظهر شيئا فشيئا.
الخطاب القومي لا يتوقف.
الأيديولوجيات لدى الشباب تشكل عقله وتخترقه بالمزيد.
وثمة الكثير.
الكثير مما يسترعي الانتباه ويستدعي العمل.
أميركا بالطبع حلت بنفوذها وقرون استشعارها في المنطقة بالكامل بل وفي العالم بأسره.
تلك حقيقة صارت ماثلة.
انفتحت أبواب قبل ذلك مليئة بالمواجهات والصراعات المكشوفة في مرحلة الحرب الباردة.
صراع مظاهر القوة والتسلح والمخابرات والتحشيد والتهديد والاقتراب المفجع من حافة الحل الذري مع بداية الستينيات في أزمة الصواريخ بكوبا.
ثم اشتداد الحرب في حقول الأرز ومستنقعات فيتنام.
إسرائيل وحربها مع العرب المتواصلة منذ زمن.
وثمة قواعد لها في الصندوق الذي قد تخترقه المواجهات الحادة بين الأطلس ووارسو.
وبريطانيا ظل نفوذها يترنح.
لقد غربت عن الإمبراطورية العتيقة.
الشمس.
انحسر عنها الضوء واضمحل.
شابهت زمن الرجل العثماني المريض عند ضفاف البسفور.
دورة مراحل القوة التي تنحدر إلى الانحطاط ثم السقوط المدوي.
تلك هي دروس التاريخ.
بريطانيا تلك فقدت مستعمراتها.
تلاشت شركة الهند الشرقية درة التاج.
وهن العظم منها وخرجت وحملت عصاها وهي تعزف موسيقى القرب.
من مناطق كانت تعتبرها ضواحي للندن.
رحلت من قناة السويس وعدن ودول من أفريقيا.
لكن سيطرتها واستحواذها على مصادر المعلومات الهائلة في الشرق كانت بملك يمينها على الدوام.
ستصبح تلك المصادر المهمة مراجع لأميركا وعروقها المنتشرة في العالم.
هنا ستشعر بريطانيا بأن قواعدها في ليبيا لم تعد مجدية.
مصاريف وتكاليف عالية.
الضرائب والانفاق.
ستهتم بما يهمها من مواقع في مالطا وقبرص.
كانت تعرف ليبيا جيدا خاصة أيام الحرب الأخيرة.
قواتها التي تشق العلمين وطبرق والبردي.
وغيرها.
قادتها العسكريون.
مونتجمري وويفل واو كنلك ظلوا محل إعجاب الأهالي وافراد جيش التحرير الليبي.
الآن في نهاية الستينيات يبدو الصراع العالمي الذي يؤجج احتقان الداخل ويقويه.
ويخلق المزيد من الترقب ووضع الحلول.
وخريطة ليبيا تفتح على الطاولات وتبقى جاهزة أمام الأبصار في كل الأوقات.
وعبر هذا الذي يحدث في العالم كانت الفرصة مواتية للتغيير.
إنه صراع المصالح والنفوذ المتعاظم ينعكس على الواقع الليبي.
سيأتي الدور ولن تظل هكذا صندوقا مغلقا لا يروم مكانه وراء الأسلاك.
سيزداد الغليان في النفوس.
وبطريقة أو بأخرى ستنال حركة الضباط الصغار المساندة بعد نجاحها منذ الساعات الأولى في الداخل والخارج.
وفي المحصلة.
التاريخ والواقع والصراع الذي ساد كشف عن تنافس المصالح وتزاحم الأضداد ظفرا بليبيا في النهاية.
ذلك حدث في صور مشابهة في التغيرات التي وقعت في سورية ومصر والعراق على سبيل المثال.
المصالح الكبرى تعلو فوق كل مصالح أخرى.
تواصل عبر هذا التنافس البعيد المزيد من أخبار التنظيمات في الجيش التي تطرق الأسماع في الجهات المسؤولة.
ولدى العقيد عبد العزيز الشلحي بصورة محددة.
الخرائط واضحة.
التنفيذ يقترب.
القذافي يراهن على تنظيمه.
يؤكد بأنه سيفوز.
سيفتك الكعكة من الأفواه المتلهفة.
والشلماني يخشى من القادم الذي سيحدث.
لكنه يواصل قرع أجراس الإنذار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك