واجهت دول مجلس التعاون الخليجي تحديات متزايدة في سلاسل إمدادات الغذاء والمنتجات الزراعية التي تعتمد بنسبة 80-90% على الواردات الخارجية، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ما أدى إلى اضطرابات حادة في الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز مع انخفاض حركة الناقلات النفطية بنسبة تزيد عن 90%، وارتفاع تكاليف الشحن بنسبة تصل إلى 30% في الخطوط المتأثرة.
وأثار ذلك تساؤلات حول مدى التهديد الوشيك للأمن الغذائي الإقليمي واستدامة الأسواق المحلية.
ويتركز الضغط الأكبر على سلاسل الإمداد المتعلقة بالحبوب الأساسية مثل القمح والأرز، والزيوت النباتية وأعلاف الماشية، بالإضافة إلى المنتجات الطازجة سريعة التلف كالموز والخضروات والألبان واللحوم المجمدة، حيث أجبرت تغييرات مسارات السفن وارتفاع أقساط التأمين البحري شركات الشحن على إطالة أزمنة الوصول إلى 10-15 يوما إضافيا، ما يهدد استنزاف المخزونات القريبة الصلاحية.
كما يعزز الارتفاع الحاد في تكاليف الأسمدة، التي تمر عبر المضيق بنسبة 30% من التجارة العالمية، والوقود المرتبط بالأزمة تأثيرا مزدوجا على الإنتاج الزراعي المحلي المحدود في الخليج، مع توقعات بزيادة تكاليف الإنتاج بنسبة 5-10% خلال إبريل/ نيسان الجاري، وانخفاض مرجح في المحاصيل الموسمية القادمة، بحسب التقرير ذاته.
وجاء ذلك في إطار تقديرات دولية تؤكد جاهزية الحكومات الخليجية بمستوى مرتفع نسبيا مقارنة بأزمات سابقة مثل جائحة كورونا، مدعومة بمخزونات استراتيجية وطنية تغطي 4-6 أشهر للسلع الأساسية في دول مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت، إلى جانب جهود مكثفة لتنويع مصادر الاستيراد نحو أوروبا وروسيا واستراليا والبرازيل، حسبما أورد تقرير نشرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، المتخصصة في الأمن الغذائي العالمي، في 25 مارس/ آذار الماضي.
وحسب التقدير ذاته، فإن الحاجة الخليجية باتت ملحة لتسريع الاستثمارات في الزراعة المائية والرأسية والمزارع العمودية، بالإضافة إلى مشاركة المخزونات الإقليمية وتجنب قيود التصدير الوطنية لضمان تدفق متوازن.
وانعكست الحرب على المستهلكين الخليجيين بزيادات تدريجية في فواتير البقالة والمطاعم والفنادق، مع ضغط تضخمي يصل إلى 2-4% على مؤشرات الغذاء الإجمالية، ما يؤثر بشكل أكبر على الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وفق تقرير نشرته صحيفة" فايننشال تايمز" في 14 مارس الماضي.
في هذا الإطار، يؤكد المحلل الاقتصادي مازن أرشيد، لـ" العربي الجديد" أن المخاطر التي تهدد إمدادات الغذاء في دول الخليج حاليا تصنف ضمن خانة" الضغط المرتفع على التكلفة" وليس خطر الانقطاع الفعلي، نظرا لاعتماد هذه الدول على الاستيراد لتلبية ما بين 70% و90% من احتياجاتها الغذائية، موضحا أن هذا الاعتماد يجعل المنطقة شديدة الحساسية لأي اضطراب في الممرات البحرية الحيوية مثل باب المندب والبحر الأحمر ومضيق هرمز.
ويوضح أرشيد أن تحويل خطوط الشحن إلى مسارات أطول حول رأس الرجاء الصالح أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل البحري للشحنات الغذائية بنسبة تتراوح بين 15% و35%، بينما قفزت كلفة التأمين البحري في المسارات عالية المخاطر بأكثر من 60%.
وتتركز التأثيرات المباشرة، حسب أرشيد، على السلع كثيفة الاعتماد على النقل البحري والمستوردة بكميات كبيرة، مثل القمح والشعير والذرة والأعلاف والزيوت النباتية والسكر، والتي شهدت أسعارها العالمية ارتفاعا ملحوظا تراوح بين 4% و7% مؤخرا، مشيرا إلى أن الأعلاف الحيوانية تمثل الحلقة الأكثر حساسية في هذه السلسلة، إذ أن ارتفاع تكلفتها سينعكس حتما وبشكل تدريجي على أسعار اللحوم والدواجن والألبان، ما ينقل موجة التضخم إلى سلة الغذاء بالكامل.
يأتي ذلك بينما تبقى السلع ذات الإنتاج المحلي الجزئي مثل الخضروات المحمية والدواجن الطازجة أقل تعرضا للصدمة المباشرة رغم تأثرها غير المباشر بارتفاع مدخلات الإنتاج، وفق أرشيد، لافتا في المقابل إلى أن جاهزية الحكومات الخليجية تظهر مستوى متقدما من المرونة مقارنة بالفترة السابقة لجائحة كورونا، بفضل بناء منظومات أمن غذائي قائمة على التنويع والمخزون الاستراتيجي.
وينوه أرشيد إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تحتفظ بمخزونات من الحبوب الأساسية تكفي لفترات تتراوح بين 4 و9 أشهر، مع نجاح السعودية في تعزيز قدراتها عبر الاستثمار الزراعي الخارجي وتوسعة الطاقة التخزينية، واعتماد الإمارات نموذجا قائما على سرعة إعادة توجيه الاستيراد عبر شبكة موانئ متقدمة، وتحقيق قطر اكتفاءً ذاتيا يتجاوز 100% في الألبان و120% في الدواجن الطازجة، ما وفر لها درعا واقيا ضد الصدمات في هذه القطاعات الحيوية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك