في مثل هذه الأيام من عام 685 ميلادية، كانت الدولة الأموية تقف على حافة الهاوية؛ فتن تمزق الأوصال، وجيوش متناحرة، وخزينة توشك أن تنضب.
وسط هذا الضجيج، بويع عبد الملك بن مروان خليفةً للمسلمين، في لحظة لم تكن مجرد انتقال للسلطة، بل كانت شهادة ميلاد ثانية للإمبراطورية الإسلامية.
عبد الملك بن مروان، رجل المرحلة الصعبةلم يتسلم عبد الملك عرشًا مستقرًّا، بل تسلم كرة من النار، حيث كان عليه أن يواجه نفوذ عبد الله بن الزبير في الحجاز، وثورات الخوارج في العراق، والتهديدات البيزنطية على الحدود الشمالية.
لكن ابن مروان، الذي نشأ بين حلقات العلم في المدينة المنورة حتى لقب بـ" حمامة المسجد"، فاجأ الجميع بتحوله إلى صقر سياسي من الطراز الرفيع.
امتلك الخليفة الجديد رؤية ثاقبة أدركت أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع دولة مستدامة، بل القوة المؤسسية هي الحل.
ثورة السيادة، تعريب الدواوين وسك العملةأهم ما ميز عهد عبد الملك هو تأميم الهوية، قبل عهده كانت مفاصل الإدارة تدار بلغات أجنبية (فارسية ورومية)، مما جعل أسرار الدولة بيد غير العرب، لذلك أمر بتعريب الدواوين، لتصبح اللغة العربية هي لغة الإدارة والعلم والسياسة.
ولم يتوقف عند هذا الحد، بل خاض" حربًا اقتصادية" بامتياز حين سك أول دينار ذهبي إسلامي خالص، متحررًا من التبعية للنقد البيزنطي، مما جعل للدولة الأموية استقلالًا ماليًا وسيادة نقدية أمام القوى العظمى آنذاك.
الإرث الحضاري والمعماري للدولة الأمويةتوج عبد الملك إنجازاته ببناء" قبة الصخرة" في القدس، لتكون شاهدًا على عظمة المعمار الإسلامي ومنافسةً لأعظم الكنائس في ذلك الوقت، كما طور نظام البريد ليتحول من مجرد وسيلة لنقل الرسائل إلى شبكة استخباراتية وإدارية تربط أطراف الدولة المترامية بمركز القرار في دمشق.
نجح عبد الملك بن مروان في تحويل الشتات إلى وحدة، واللغات المتعددة إلى لغة واحدة، والعملات الغريبة إلى عملة وطنية، ليترك خلفه أقوى إمبراطورية شهدها العصر الوسيط، ويستحق عن جدارة لقب المؤسس الثاني الذي لولاه لربما تغير مسرى التاريخ الإسلامي تمامًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك