بعد ساعات قليلة فقط من إعلان الوسيط الباكستاني التوصل إلى اتفاق إطار كان قد وافق عليه الطرفان الأميركي والإيراني، يسمح ببدء مفاوضات في إسلام آباد، شنت خمسون طائرة أكثر من مئة غارة على أهداف واسعة في لبنان، أسفرت عن سقوط نحو مئتي شهيد وألف جريح.
القصف الإسرائيلي لم يكن منسجمًا مع سياق العمليات العسكرية التي تشنها إسرائيل على لبنان، بقدر ما كان قصفًا يستهدف الاتفاق الذي أعلنت إيران والولايات المتحدة التوصل إليه، والذي يتعارض مع رغبة نتنياهو في مواصلة الحرب لتحقيق أهدافها، التي لم تتحقق بعد، وفق اعترافاته.
كان نتنياهو قد أعلن موافقته على وقف إطلاق النار لمدة خمسة عشر يومًا، لكنه اعتبر أن الاتفاق لا يشمل لبنان، ثم أضفى مصداقية عملية على موقفه عبر قصف واسع غير مسبوق على لبنان.
القصف الإسرائيلي يشكل صفعة للرئيس ترامب، الذي كان قد أعلن موافقته على وقف إطلاق نار شامل، بما في ذلك لبنان نصًا، كما اعترف بذلك رئيس وزراء باكستان، الذي تولت بلاده نقل الرسائل.
غير أن ترامب عاد عما وافق عليه حين قال إن لبنان غير مشمول بالاتفاق، وإن الاتفاق أيضًا لا يسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم، أو جباية رسوم من خلال مضيق هرمز.
الببغاوات المحيطة بالرئيس ترامب، بما في ذلك نائبه فانس، الذي سيرأس وفد بلاده لمفاوضات إسلام آباد، سارعوا إلى ترديد مزاعم الرئيس، التي تستجيب لقرار نتنياهو، بعد أن أجرى مكالمة مع الرئيس ترامب.
تراجع ترامب ليس أمرًا خارجًا عن طبيعته، لكنه أفسد الآمال التي تولدت لدى أوساط كثيرة في المنطقة وخارجها بشأن إمكانية وقف هذه الحرب المجنونة، قبل أن تؤدي إلى عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي.
هكذا يكون نتنياهو قد وضع الإدارة الأميركية في زاوية حرجة، إذ بدا واضحًا أنها إدارة مرتبكة، غير موثوقة، ومستهترة، فضلًا عن أن القصف الإسرائيلي على لبنان قوبل بردود فعل منددة وغاضبة على مستوى العالم.
إيران، التي واصلت تمسكها بقوة بنقاطها العشر، وبشمول لبنان في الاتفاق، وأبدت استعدادها للرد بقوة على الخروقات الإسرائيلية الأميركية، وأوقفت حركة المرور عبر مضيق هرمز، لم تعلن انسحابها من المفاوضات، وأعلنت أنها سترسل وفدها إلى إسلام آباد برئاسة قاليباف، رئيس البرلمان.
لم يكن متوقعًا، ولا ممكنًا، أن يكون اتفاق الإطار الذي وافق عليه الطرفان، وحتى بدء المفاوضات، كافيًا للاستنتاج بأن الحرب قد توقفت نهائيًا، فالأمر مرهون بنتائج المفاوضات.
غير أن ثمة شكًا كبيرًا في ثبات الرئيس الأميركي وقبوله باتفاق ينتقص من إعلانه «الانتصار الحاسم».
والأمر ينسحب على نتنياهو، الذي يعرف الجميع رفضه للمفاوضات وسعيه إلى استمرار الحرب، طالما أن لديه فرصة تاريخية، بوجود رئيس مثل ترامب، لن تتكرر مرة أخرى.
يمكن للمرء أن يقول ما يشاء عن عقلية الرئيس ترامب وسلوكه المتقلب وغير المنطقي، والذي لا ينطوي على أي قدر من الثقة، حتى من قبل الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة.
ولكن ثمة، بالتأكيد، لغزًا ما إزاء طبيعة العلاقة بين ترامب ونتنياهو، يتجاوز كل ما هو معروف عن التوافق والانسجام التام بين الرجلين، ويتجاوز أيضًا أي تقييم لمكانة إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة.
ترامب يتجاوز كل الأعراف الدبلوماسية والأخلاقية في الدفاع عن نتنياهو، الذي يراه بطلًا يستحق كل التقدير والاحترام.
خمس مرات طالب ترامب الرئيس الإسرائيلي هيرتسوغ بإصدار عفو عاجل عن نتنياهو، حتى إنه وجه إليه توبيخًا، رد عليه هيرتسوغ بأن إسرائيل دولة مستقلة ذات سيادة.
الكل يعرف أن هذه الحرب المجنونة هي حرب نتنياهو، الذي أقنع، أو أرغم، ترامب على الانخراط فيها بكل ما لدى الولايات المتحدة من إمكانيات عسكرية واستخبارية وتدميرية.
وزير خارجية ترامب اعترف، بعظمة لسانه، بأن نتنياهو هو من قرر شن هذه الحرب، التي استوجبت على الولايات المتحدة الانخراط فيها استباقًا لما قد تؤدي إليه من مخاطر.
ثم إن ترامب صغّر خده، وتراجع عما أعلنه على الملأ حين وافق على وقف إطلاق النار، وانتقل إلى التبرير والدفاع عن قرار نتنياهو بشأن مواصلة الحرب على لبنان.
إذا كان من الشائع أن بعض الشك إثم، فإن ثمة شكًا لا يطاله إثم.
يسوقني الظن إلى أن الأمر يتعلق بمستمسكات لدى نتنياهو على الرئيس ترامب، قد تكون لها علاقة بملفات إبستين، الذي يُتهم الموساد بالضلوع فيها.
من غير المعقول أن ترهن دولة عظمى بحجم الولايات المتحدة مصالحها واستراتيجياتها لدولة إسرائيل، التي يفترض أنها قاعدة أميركية متقدمة في المنطقة ذات طبيعة وظيفية.
إن كان هذا هو واقع الحال، فإن الحرب ما تزال مفتوحة، والأيدي على الزناد، في انتظار ما تسفر عنه المفاوضات والمشاغبات، ولكن الأكيد أن ما بعد تلك الحرب لا يمكن أن يكون كما قبلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك