في مدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ، تتجدد حكاية الفسيخ مع اقتراب موسم شم النسيم، حيث تتحول المدينة إلى واحدة من أبرز قلاع إنتاج هذه الأكلة الشعبية التي ارتبطت بوجدان المصريين عبر عقود طويلة، ولا يقتصر الأمر على تجارة موسمية، بل يمتد ليصبح تراثًا متوارثًا ومصدر رزق رئيسيًا لعشرات الأسر.
داخل أحد محال الفسيخ الشهيرة، يقف أحمد حمد، 56 عامًا، يتابع تفاصيل العمل بدقة، مؤكدًا أن هذه المهنة بدأها في أوائل التسعينيات، وأن موسم شم النسيم يمثل ذروة النشاط السنوي.
ويوضح «حمد» لـ«الوطن»، أن الاستعدادات تبدأ مبكرًا، من خلال تجهيز كميات كبيرة من الأسماك بعناية، مع الالتزام الصارم بخطوات التمليح والتخزين لضمان جودة المنتج وسلامته.
ويشاركه العمل أبناؤه؛ عبد الله، 20 عامًا، الطالب بكلية التجارة بجامعة كفر الشيخ، ومحمود، 18 عامًا، طالب بالمرحلة الثانوية، ورغم انشغالهما بالدراسة، يحرصان على التواجد خلال الموسم، لاكتساب الخبرة ومساندة والدهما.
يقول «عبد الله» إن العمل في تجارة الفسيخ علّمه الصبر والانضباط، بينما يرى «محمود» أن مشاركته تمنحه شعورًا بالمسؤولية والانتماء للمهنة التي نشأ داخلها.
ولا يقتصر العمل على الأسرة، بل يمتد ليشمل عددًا من العمال الذين أصبحوا جزءًا من هذا الكيان، من بينهم نبيل علي، 51 عامًا، الذي يعمل منذ 15 عامًا، ويشير إلى أن صناعة الفسيخ ليست مجرد تمليح للأسماك، بل تعتمد على خبرة دقيقة في اختيار النوع المناسب وتحديد مدة التمليح.
الجودة والالتزام سر النجاحويتفق معه عبد الشافي محمود، 31 عامًا، الذي يشدد على أن سر النجاح يكمن في الالتزام بالجودة في كل خطوة، خاصة مع زيادة وعي الزبائن وحرصهم على شراء منتج مضمون يحافظ على صحتهم.
وتعتمد صناعة الفسيخ في بيلا بشكل أساسي على أسماك تُجلب من بحيرة البرلس، التي تشتهر بإنتاج أجود الأنواع، حيث يتم اختيار الأسماك بعناية شديدة، باعتبارها الخطوة الأولى نحو منتج عالي الجودة.
ومع اقتراب شم النسيم، تتزايد حركة البيع بشكل ملحوظ، وترتفع ساعات العمل داخل المحال لمواكبة الإقبال، في مشهد يعكس روح التعاون بين العاملين، وتمسكهم بحرفة توارثوها جيلًا بعد جيل.
ويختتم أحمد حمد حديثه قائلًا: «بيلا ما زالت تحافظ على مكانتها كواحدة من أهم قلاع إنتاج الفسيخ في مصر، وبتقدم نموذج حي لاستمرار الحرف التقليدية رغم تغير الزمن».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك