بعد سقوط النظام المخلوع، وجدت سوريا نفسها على أعتاب لحظة تاريخية طال انتظارها؛ لحظة يُفترض أن تعيد فيها البلاد تعريف علاقتها بالعدالة وتفتح الباب أمام مساءلة حقيقية لكل من تورط في منظومة القمع التي حكمت لعقود.
غير أن المشهد الذي يتكشف تدريجياً يطرح تساؤلات مقلقة حول طبيعة هذا الانتقال وحدوده، بل وربما تجاهه.
فبدلاً من أن تتجه الأنظار نحو محاسبة المتورطين في الانتهاكات، بدأنا نشهد ظاهرة لافتة تتمثل في إعادة تدوير بعض الشخصيات التي ارتبطت بشكل مباشر أو غير مباشر بأجهزة القمع أيام النظام المخلوع، بل ووصل الأمر في بعض الحالات إلى توظيفهم داخل مؤسسات الدولة، وكأن المرحلة الجديدة اختارت طي الصفحة من دون قراءتها.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل لا يمكن تجاهله حول دور الدولة في التعامل مع هذه الحالات.
فكيف ينبغي لمؤسسات المرحلة الجديدة أن تتعامل مع أشخاص لم يقتصر دورهم على الانخراط في أجهزة القمع، بل شمل في بعض الحالات المشاركة المباشرة في العنف أو المساهمة في الاعتقال والتنكيل أو حتى لعب أدوار تحريضية وإعلامية أسهمت في تبرير القتل والتهجير خلال سنوات الثورة؟ وهل يمكن القبول بعودتهم إلى مواقع العمل أو بقائهم فيها، من دون أي شكل من أشكال المساءلة أو المراجعة؟قد يبرر البعض هذا التوجه بضرورات" الواقعية السياسية" أو الحاجة إلى الاستفادة من الخبرات المتراكمة أو حتى الرغبة في تجنب فتح جبهات صراع جديدة.
إن وجود أفراد شاركوا في" التشبيح" بمستوياته المختلفة، سواء بالفعل المباشر أو عبر التحريض والتبرير وهم اليوم على رأس عملهم أو في طريقهم إلى مواقع جديدة داخل مؤسسات الدولة، يطرح إشكالية تتجاوز البعد الوظيفي إلى مسألة أخلاقية وقانونية في آن معاً.
فالدولة تبدو معنية بأن تكون يقظة في هذا الملف وأن تضع آليات واضحة للمحاسبة لا بدافع الانتقام، بل لضمان عدم ترسيخ شعور بالإفلات من العقاب ولحماية ما تبقى من ثقة المجتمع بمؤسساته.
هذه المفارقة لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد أخطاء فردية أو قرارات معزولة بل تعكس إشكالية أعمق تتعلق بكيفية فهم العدالة الانتقالية في السياق السوري.
إذ إن الانتقال من نظام استبدادي إلى فضاء يُفترض أنه أكثر انفتاحاً لا يعني فقط تغيير الوجوه أو الشعارات، بل يستلزم قبل ذلك إعادة بناء المعايير التي يُحكم من خلالها على الأفراد والأدوار.
وهنا يبرز سؤال جوهري: ما الذي يعنيه أن يُكافأ شخص كان جزءاً من منظومة القمع؟ وهل يمكن لمجتمع يسعى للتعافي أن يتجاوز هذه المسألة من دون أن يترك ذلك ندوباً عميقة في وعيه الجمعي؟قد يبرر البعض هذا التوجه بضرورات" الواقعية السياسية" أو الحاجة إلى الاستفادة من الخبرات المتراكمة أو حتى الرغبة في تجنب فتح جبهات صراع جديدة.
غير أن هذه الحجج مهما بدت منطقية على السطح، تصطدم بحقيقة أن تجاهل العدالة لا يلغي آثار الظلم بل يؤجل انفجارها.
فالعدالة في جوهرها ليست فقط إجراءً قانونياً بل هي أيضاً رسالة أخلاقية تؤسس لعقد اجتماعي جديد.
وعندما يرى الضحايا أن من تسبب في معاناتهم يُعاد تقديمه كشخصية طبيعية أو حتى مكرمة، فإن ذلك لا يقوض ثقتهم بالمؤسسات فحسب، بل يهدد أيضاً بإعادة إنتاج مشاعر الغضب والاغتراب.
ولا يقتصر أثر هذا المسار على الضحايا وحدهم بل يمتد ليشمل المجتمع ككل.
إذ إن غياب المساءلة يرسل إشارة ضمنية مفادها أن الانخراط في أدوات القمع لا يترتب عليه ثمن حقيقي، وأن الولاءات قد تتغير لكن الامتيازات تبقى.
وفي مثل هذا المناخ تصبح فكرة" عدم الإفلات من العقاب" مجرد شعار فارغ لا يجد له ترجمة على أرض الواقع.
الأخطر من ذلك أن هذا النهج قد يفرغ مفهوم الدولة الجديدة من محتواه ويجعلها تبدو في نظر كثيرين امتداداً مُعاداً تشكيله لمنظومة سابقة لا قطيعة حقيقية معها.
فالدولة التي لا تميز بوضوح بين من خدم المجتمع ومن أسهم في قمعه، تفقد قدرتها على بناء شرعية أخلاقية مستدامة.
ومع ذلك لا يمكن إنكار تعقيد المشهد السوري ولا حجم التحديات التي تواجه أي محاولة لإعادة البناء.
فالمسألة لا تتعلق فقط برغبة في تحقيق العدالة بل أيضاً بقدرة المؤسسات على إنفاذها وبوجود بيئة قانونية وسياسية تسمح بذلك.
لكن الاعتراف بالصعوبات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاوز المبادئ الأساسية.
إن بناء سوريا مختلفة وجديدة لا يمكن أن يتم عبر إعادة تدوير نفس الأدوات التي أسهمت في تدميرها، ولا عبر تجاهل الأسئلة الصعبة التي يفرضها الماضي.
فالعدالة الانتقالية ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى حين استقرار الأوضاع بل هي جزء من عملية الاستقرار نفسها.
وهي لا تعني بالضرورة الانتقام أو الإقصاء الشامل بل تقوم على مزيج من المساءلة والاعتراف وجبر الضرر بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات.
في هذا الإطار، يصبح من الضروري التمييز بين من اضطروا للتكيف مع النظام المخلوع ضمن حدود معينة، وبين من لعبوا أدواراً فاعلة في القمع والتنكيل.
فالمساواة بين الحالتين لا تظلم الضحايا فقط، بل تخل أيضاً بأي معيار منطقي للعدالة.
إن بناء سوريا مختلفة وجديدة لا يمكن أن يتم عبر إعادة تدوير نفس الأدوات التي أسهمت في تدميرها، ولا عبر تجاهل الأسئلة الصعبة التي يفرضها الماضي.
بل يتطلب ذلك شجاعة في المواجهة ووضوحاً في المعايير وإرادة حقيقية لوضع أسس جديدة تقوم على المساءلة لا المجاملة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بمن يتم توظيفه أو تكريمه بل بالصورة التي ترسمها هذه القرارات لمستقبل البلاد.
فإما أن تكون سوريا الجديدة دولة تُبنى على مبدأ أن العدالة أساس الاستقرار، أو أن تتحول إلى مساحة رمادية تختلط فيها الأدوار وتُطمس فيها الحدود بين الضحية والجلاد.
وأمام هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تسير سوريا فعلاً نحو قطيعة واضحة مع ماضيها، أم أن بعض ملامح هذا الماضي لا تزال حاضرة بشكل يثير قلق شريحة كبيرة من السوريين؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك