حكاية عقلٍ يعشق الذاكرة ويهرب من الواقعتتشكل الذهنية السياسية السودانية داخل دائرة مغلقة من التكرارحوار يبدو جديدًا في ظاهره، لكنه يعيد إنتاج الإجابات القديمة نفسها حول المسؤولية والسبب والأزمفي مقهى بوسط المدينة، يتكرر المشهد كأنه شريط سينمائي قديمرجلان، فنجانان من الشاي، وجدال لا ينتهيأحدهما يرمي باللائمة على “الاستعمار”، والآخر يتحدث عن “ظروف أكبر من الجميعلكن الاتفاق الضمني بينهما كان أهم من الخلاف أن الإجابة دائمًا في الخارج، وأن المسؤولية ليست هناوهذا ليس مجرد حوار، بل هو صوت العقل السياسي السوداني؛ عقل يعشق الاجترار، ويتقن تحويل التبرير إلى استراتيجيةاللوح والمشافهة.
أين بدأ الخلل؟تأسس الوعي السياسي في السودان داخل مدارين متوازيين“اللوح والدواية” حيث الحفظ والتلقين، و“المشافهة” حيث تُنقل المعرفة والسلطة بالسماعالنتيجة أن تحولت ااسياسة إلى نص يُحفظ ولا يُناقشنشأنا على التبجيل بدل النقد، فصار السياسي “شيخًا” يُطاع، لا موظفًا يُحاسبعقلية “المركز”.
الاستعمار بملابس وطنيةالنخبة التي ورثت الدولة من المستعمر لم تغيّر المنهج، بل غيّرت الوجوه فقطآمنت بأن الخرطوم هي السودان، وأن ما سواها هامش ينتظر الأوامرفكانت النتيجة , إقصاء الأطراف ثقافيًا وسياسيًااستنساخ النخبة عبر الأحزاب الأسريةفتحوّل السودان في الوعي السياسي إلى “دولة مركز واحد” في بلد متعدد ومترامي“بكاء النخب”.
الحزن حين يصبح وظيفةخلف خطاب “الوطن الجريح” يختبئ عجز معرفي عميقالنخبة تمارس البكاء كآلية دفاعية بكاء على ماضٍ متخيل استدعاء الثورات القديمة للهروب من حاضر معقدبكاء الضحية إحالة الفشل إلى المؤامرة وإعفاء الذات من المسؤوليةبكائيات شعرية تحويل الكوارث إلى مراثٍ بدل برامج وحلولوهكذا يتحول البكاء من شعور إلى بديل عن السياسةالبداوة السياسية.
الدولة كغنيمةالسياسة في السودان غالبًا موسميةالأحزاب لا تظهر إلا في الانتخابات أو الأزمات، وسلوكها قطيعي يتحرك بالولاءات لا بالبرامجوتُرى الدولة كغنيمة لا كمشروع – تُقسم و لا تدر ولا تُبنىوهذا النمط هو العدو المباشر للمؤسسية والمحاسبةمأزق الحرب.
سقوط الجغرافيا وبقاء الفكرةفي حرب (2024–2025)، تدمرت الخرطوم ماديًا، لكنها ظلت حية كفكرة متسلطة في عقول النخبنخب مدنية وعسكرية تتقاتل على شرعيات في فراغ، وتعيد إنتاج اللغة نفسها تبرير، اجترار، وغياب كامل لأي مشروع وطنيالخطاب السياسي تحوّل إلى مأتم كبير،لا يقدم خطة للخروج من النفق، بل يصفه فقطالرهان الأخير هل نجرؤ على المراجعة؟الخروج من هذه الدائرة لا يتم عبر اتفاقات هشة، بل عبر قطيعة معرفية شجاعة الاعتراف بأن السودان دولة أطراف لا مركز واحدتحويل الخطاب من بكاء إلى سياسات ومؤسساتوبناء نخبة تستمد شرعيتها من الحلول لا من التوارث أو الشعاراتوحتى يحدث ذلك، سيظل “بكاء النخب” هو الضجيج الأعلى، يغطي على واقع يحتاج إلى فعل لا إلى رثاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك