ليست الأزمات هي ما يحدد قوة المجتمعات، بل الطريقة التي تتصرف بها في لحظة التوتر؛ ففي الوقت الذي تنشغل فيه الأنظار بتصاعد الأحداث في الإقليم، يحدث اختبار أعمق داخل المجتمعات نفسها، اختبار لا يُقاس بحجم القلق الظاهر، بل بقدرة الناس على الاستمرار في حياتهم دون أن يفقدوا توازنهم.
ويظهر ذلك في مستوى الوعي في سلوك الناس، وفي قدرة الناس على التعامل مع الحدث دون أن يتحول القلق إلى سلوك غير متزن.
لكن ما يظهر في مثل هذه اللحظات لا يُفسَّر بردود الفعل المباشرة فقط؛ فالأمر أعمق من ذلك؛ إذ إن سلوك المجتمعات تحت الضغط لا يتشكل فجأة، بل يتكوّن مع الوقت، ويظهر في طريقة التعامل مع التوتر دون أن يتحول إلى سلوك عام يتجاوز حدود الحدث.
وهذا ما يمكن ملاحظته في المجتمع البحريني، حيث يظهر هذا الوعي في تفاصيل الحياة اليومية، في طريقة متابعة الناس للأحداث، وفي مستوى الهدوء الذي لا يلغي التوتر، لكنه لا يسمح له بأن يتحول إلى سلوك يتجاوز حدود الحدث.
هذا النوع من السلوك لا يرتبط بالظرف نفسه بقدر ما يرتبط بطريقة تشكُّل العلاقة بين المجتمع ومؤسساته؛ فالمجتمعات التي تتعامل مع التوتر بوعي لا تنجرف بسهولة خلف ردود الفعل، بل تميل إلى احتواء الحدث كما هو، دون تضخيم أو إنكار؛ ما يجعلها أكثر قدرة على الاستمرار دون أن تتحول كل أزمة إلى حالة ارتباك في الحياة اليومية، ويظهر ذلك في مستوى الثقة الذي ينعكس في سلوك الناس، وفي طريقة تعامل الناس مع المرحلة بهدوء، وكأن الأمور تسير دون حاجة إلى تأكيد مستمر.
وفي مثل هذه الظروف، لا يمكن فصل هذا الوعي عن الإطار العام لإدارة المرحلة الذي يتحرك فيه المجتمع البحريني؛ فوجود مسار واضح في إدارتها على مستوى الدولة ينعكس بهدوء على سلوك الناس، ويمنحهم مساحة من الطمأنينة في التعامل مع الحدث، وهو ما يمكن ملاحظته في استمرارية توفر السلع والخدمات، مع استقرار في الأسعار.
ويمتد هذا الإحساس ليظهر أيضًا في طريقة التفاعل الإيجابي للناس مع الرسائل التحذيرية، حيث يتم التعامل معها بجدية، دون تهويل أو استهتار، ومع قدر من الانتباه يجعلها أقرب إلى إجراء احترازي منها إلى مصدر قلق إضافي.
ويظهر هذا الأثر في تفاصيل الحياة اليومية، في العمل، وحركة الأسواق، والتزام الناس بما يصدر من توجيهات، دون ارتباك زائد أو ردود فعل تسبق الحاجة.
وربما ما يلفت الانتباه في المجتمع البحريني في مثل هذه اللحظات ليس غياب القلق، بل طريقة تلقيه؛ حيث يبقى في حدوده التي لا تعطل الحياة، ولا تدفع إلى ردود فعل متسرعة، ولا يتجاوزها إلى حالة من الهلع، بل يتحول إلى حالة من الانتباه الهادئ، الذي يجعل التعامل مع الحدث أقرب إلى الفهم منه إلى الاندفاع أو التهويل.
من هنا، لا تُقاس المجتمعات بما تمر به من أحداث فقط، بل بما يبقى منها بعد أن تهدأ الأحداث؛ لأن ما يستمر ليس الحدث نفسه، بل طريقة التعامل معه، وكيف يمر في حياة الناس، أحيانًا بهدوء، وأحيانًا بقدر من القلق، لكن دون أن يخرج عن حدوده، وربما هذا هو الفرق الذي لا يُقال كثيرًا، لكنه يظهر مع الوقت، في الطريقة التي تُدار بها مثل هذه اللحظات، وفي ذلك الإحساس بأن الأمور لم تُترك للصدفة، وأن هناك من يدير هذا المسار بثبات وهدوء.
وفي لحظات التوتر، يبقى الدعاء الصادق بأن يحفظ الله البحرين وأهلها من كل مكروه، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار.
حمى الله البحرين، شعبا وقيادة، وحفظ لها أمنها واستقرارها، وهذا الوعي في مثل هذه الأوقات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك