لم تعد الحرب في السودان، التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023، مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين يتنازعان السلطة، بل تحولت بمرور الوقت إلى واقع يومي يعيد تشكيل حياة السودانيين في أدق تفاصيلهاففي بلدٍ تصفه تقارير الأمم المتحدة بأنه يشهد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع نزوح ملايين المدنيين وانهيار واسع في الخدمات الأساسية، لم يعد من الممكن فهم ما يجري بوصفه صراعًا سياسيًا فقط، بل حالة تفكك عميق لمفهوم الدولة ذاتهمع تراجع مؤسسات الدولة وانهيار سلاسل الإمداد، نشأ اقتصاد موازٍ يعمل خارج القانون والرقابة، أعاد تعريف العلاقة بين الإنسان واحتياجاته الأساسيةفي هذا الواقع الجديد، لم يعد الدواء مجرد وسيلة للعلاج، بل أصبح جزءًا من سوق خطرة تتداخل فيها الأدوية المهربة والمغشوشة ومنتهية الصلاحية، في ظل غياب شبه كامل للرقابة الصحية وانقطاع الإمدادات الرسميةفي مناطق واسعة من دارفور وكردفان وغرب السودان، يروي مرضى أنهم اضطروا لاستخدام أدوية منتهية الصلاحية بعد نفاد العلاج الأساسي للأمراض المزمنة، ما أدى إلى تدهور حالتهم الصحية وعودة بعضهم إلى مراحل متقدمة من المرضوفي شهادات طبية متقاطعة، يحذر مختصون من أن هذه الأدوية لا تفقد فعاليتها فقط، بل قد تتحول في بعض الحالات إلى مركبات ضارة أو سامة، خصوصًا مع سوء التخزين وانقطاع شروط الحفظ الأساسية مثل التبريد والنقل الآمنومع استمرار انهيار الإمداد الدوائي الرسمي، تشكل ما يمكن وصفه بـ“اقتصاد ظل دوائي”، انتقلت فيه تجارة الدواء من المؤسسات المنظمة إلى الأسواق العشوائيةو في هذا الاقتصاد، تعمل الصيدليات في بيئة رقابية ضعيفة أو شبه غائبة، بينما دخل أطراف غير متخصصين إلى سوق الدواء، وأصبحت عمليات نقل وتخزين الأدوية تتم خارج المعايير العلميةوفي كثير من الحالات، تختلط المنتجات الأصلية بالمغشوشة، دون قدرة حقيقية لدى المواطن على التمييز بين ما هو آمن وما هو خطرتشير إفادات عاملين في القطاع الصحي إلى أن جزءًا كبيرًا من الأدوية المتداولة في بعض المناطق يصل عبر التهريب من دول الجوار، بينما يُعاد تغليف بعضها داخل البلاد لإخفاء مصدره الحقيقي، في ظل اقتصاد حرب يتغذى على الفوضى وغياب الدولةهذا الانهيار لم يتوقف عند حدود الدواء، بل امتد إلى النظام الصحي نفسه، حيث تعمل المستشفيات والمراكز الطبية في ظروف طارئة وبإمكانات محدودة للغايةو انقطاع الكهرباء، نقص الإمدادات، وتراجع الكوادر الطبية، كلها عوامل جعلت تقديم الخدمة الصحية في حدوده الدنيا أمرًا بالغ الصعوبة، فيما سُجلت حالات مضاعفات ووفيات مرتبطة بسوء التخزين أو غياب التجهيزات الأساسيةوبالتوازي مع ذلك، يواجه قطاع التعليم في السودان انهيارًا لا يقل خطورة.
آلاف المدارس توقفت عن العمل، وبعضها تحول إلى مراكز إيواء للنازحين، بينما تعمل أخرى بشكل جزئي وغير منتظم، ما يضع جيلًا كاملًا أمام خطر الانقطاع الطويل عن التعليمهذا الانقطاع لا يمثل مجرد أزمة وقتية، بل تهديدًا عميقًا لمستقبل البلاد الاجتماعي والمعرفي في دولة كانت تعاني أصلًا من هشاشة تعليمية قبل الحربفي ظل تعدد مراكز السيطرة العسكرية واتساع رقعة النزاع، تراجعت قدرة الدولة المركزية على أداء وظائفها الأساسية، خصوصًا في ضبط الأسواق وحماية الخدماتوتعيش المدن السودانية اليوم حالة من التشتت الإداري، حيث تتداخل السلطات وتضعف الرقابة، بينما تنمو في الفراغ شبكات تهريب واقتصاد غير رسمي يستفيد من استمرار الحربفي هذا المشهد، لم يعد المواطن يحمل صفته الكاملة كمواطن يتمتع بالحقوق، بل تحول تدريجيًا إلى “ناجٍ” يبحث يوميًا عن الحد الأدنى من شروط الحياةلم يعد الهدف هو الاستقرار أو التطور، بل مجرد الحصول على الغذاء والدواء والأمانوفي بعض المناطق، تشير تقارير إنسانية إلى لجوء بعض الأسر إلى بدائل غذائية قاسية للبقاء على قيد الحياة في ظل شح الموارد وانهيار الأسواقإن ما يجري في السودان اليوم يتجاوز حدود الحرب التقليدية، ليصل إلى تفكك عميق في بنية الدولة ووظائفها الأساسيةفعندما ينهار النظام الصحي، ويتعطل التعليم، وتغيب الرقابة، وتنتشر الفوضى المسلحة، تصبح الدولة مجرد مساحة جغرافية بلا قدرة على حماية حياة مواطنيهاإن إعادة بناء السودان لا يمكن أن تبدأ من تسوية سياسية فقط، بل من إعادة الاعتبار لفكرة الدولة ذاتها: دولة تحمي الإنسان أولًا، وتضمن حقه في العلاج والتعليم والأمانفبدون ذلك، لن يكون الحديث عن “سودان موحد” سوى توصيف جغرافي، لا واقعًا سياسيًا أو إنسانيًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك