في خضم التغطية الإعلامية الأوروبية للتوترات بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز في بعض المنابر الأوروبية، وخصوصًا الفرنسية، نمطٌ إعلاميٌّ يستحق التوقف عنده.
فكلما اشتد النقد الموجّه إلى سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بدا في المقابل أن الخطاب المتعلق بالنظام الإيراني يصبح أقل صرامة وأقل حسمًا، وأحيانًا مهادنًا تجاه العدوان الإيراني.
وهذه المفارقة لا تعني بالضرورة وجود انحياز مباشر لصالح طهران، لكنها تثير سؤالًا جوهريًا حول توازن المعالجة الإعلامية، وكيف يمكن أن ينزلق الخطاب الصحافي من قراءة سياسة معينة إلى إعادة صياغة صورة خصمها بشكل مبالغ فيه.
من الطبيعي أن تتبنى وسائل إعلام أوروبية خطابًا نقديًّا تجاه السياسات الأميركية، ولا سيما في ظل الإرث الطويل من التباينات السياسية والثقافية بين ضفتي الأطلسي.
وقد وفّرت فترة ترامب مادة غنية لهذا النقد، سواء بسبب الانسحاب من الاتفاق النووي، أو أسلوب إدارة الأزمات الدولية، أو اللغة السياسية الحادة التي طبعت مواقف الإدارة الأميركية في الملفات الاقتصادية.
كما أن جزءًا من الإعلام الأوروبي تعامل مع ترامب بوصفه ظاهرة سياسية مثيرة للجدل، تستدعي مراقبة حادة ومساءلة مستمرة.
لكن الإشكال لا يكمن في نقد ترامب بحد ذاته، فهذا النقد مشروع ومفهوم في كثير من أبعاده.
المشكلة تبدأ حين يتحول التركيز الكثيف على أخطاء واشنطن إلى عدسة وحيدة تُقرأ من خلالها الأزمة كلها، بحيث تتراجع في الخلفية طبيعة النظام الإيراني نفسه، وسلوكياته الإقليمية، وخطابه العدائي، ومسؤوليته في إنتاج التوتر وعدم الاستقرار.
هنا يصبح الخلل ليس في وجود النقد، بل في غياب التوازن داخل بنية السرد الإعلامي.
فإيران تظهر أحيانًا في بعض التغطيات الإعلامية الأوروبية كطرف" مستهدف" أو" مدفوع إلى الرد"، أكثر من كونها فاعلًا سياسيًّا وعسكريًّا يمتلك مشروعه الخاص، وأدواته، وشبكاته، ووكلاءه غير الشرعيين، وسجله العدائي المعروف في التعامل مع محيطه.
وعندما تُختزل الأزمة في ثنائية مبسطة هي ترامب في مواجهة طهران، فإن الصورة تصبح مشوهة.
إذ يُنظر إلى الطرف الأميركي من زاوية" أخطائه ومغامراته وخطابه"، بينما يُقرأ الطرف الثاني من زاوية ردود أفعاله فقط، لا من زاوية أفعاله الأصلية وممارساته المنفصلة.
وتبرز هذه الإشكالية أكثر حين تلجأ بعض التحليلات إلى مقارنات مباشرة بين سلوك إدارة ترامب ومواقف النظام الإيراني، وكأن الطرفين يخضعان للمعايير نفسها وللشروط السياسية ذاتها.
والحال أن المقارنة هنا، بالرغم من جاذبيتها الإعلامية، ليست متكافئة بطبيعتها.
فالدولة العظمى تُقاس بمعايير تختلف عن تلك التي تُطبّق على قوة إقليمية، كما أن طبيعة النظامين السياسيين، وآليات اتخاذ القرار والمراقبة فيهما، وحدود المحاسبة الداخلية، كلها عناصر تجعل المقارنة بينهما مضللة.
ومن المهم أيضًا التمييز بين الإعلام بوصفه مساحة للتعبير عن المواقف، والإعلام بوصفه أداة للتحليل والتفسير.
فعندما يطغى البعد الأول، تميل التغطية إلى الحدة والاستقطاب والتحامل، وتفقد شيئًا من قدرتها على الإحاطة بتعقيدات المشهد.
وفي مثل هذه الحالات، قد يتحول نقد طرف إلى تلميع غير مباشر للطرف الآخر، لا لأنه بريء، بل لأن حضوره في السرد يصبح أخف وطأة وأقل مساءلة.
وهذا تحديدًا ما رأيناه في بعض التغطيات الإعلامية الأوروبية.
إنَّ التغطية الإعلامية المتوازنة لا تعني الحياد البارد، ولا تعني توزيع اللوم بالتساوي بشكل آلي، بل تعني منح كل عنصر في المشهد وزنه الحقيقي، وفق الوقائع والسياقات والمسؤوليات.
فالنقد المشروع لأي سياسة أميركية يجب ألا يؤدي إلى تهميش حقائق أساسية تتعلق بالنظام الإيراني وسلوكه العدائي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك