عاد ملف قانون التجنيد الإلزامي في العراق إلى واجهة النقاش السياسي والأمني من جديد، في خطوة تعكس محاولة لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية ومعالجة اختلالات بنيوية رافقت تشكيلها منذ عام 2003، وسط انقسام سياسي حاد بشأن فرص تمريره وتداعياته.
وأعلن رئيس مجلس النواب، هيبت الحلبوسي، أمس الأربعاء، تبنّيه مقترح قانون التجنيد الإلزامي، عقب مباحثات وصفها بـ" المعمقة" مع قادة الجيش العراقي، مؤكداً أن الطرح جاء بعد مشاورات مع رؤساء الكتل النيابية وأعضاء البرلمان، باعتباره ضرورة أمنية واجتماعية في المرحلة الراهنة.
وبحسب بيان رسمي لرئاسة مجلس النواب، " أجرى الحلبوسي زيارة إلى وزارة الدفاع، التقى خلالها رئيس أركان الجيش عبد الأمير رشيد يار الله وعدداً من كبار الضباط، حيث اطّلع على التحديات التي تواجه المؤسسة العسكرية، لا سيما ما يتعلق بأعمار المتطوعين، وسبل تعزيز قدراتهم، وتوفير بيئة مناسبة لأداء مهامهم".
وشهدت اللقاءات، وفق البيان، " نقاشات موسعة حول ضرورة إعادة النظر في التجنيد الإلزامي بوصفه خياراً استراتيجياً لبناء قاعدة بشرية منضبطة، وتعزيز قدرات الجيش، إلى جانب أدواره الاجتماعية في تقليل البطالة، واحتواء طاقات الشباب، والحد من الظواهر السلبية، وتعزيز الانتماء الوطني".
محاولات قديمة.
وعقبات مستمرةولا يعد هذا الطرح جديداً، إذ سبق أن حاولت قوى سياسية، لا سيما السنية، تمرير القانون في سنوات سابقة بهدف تحقيق التوازن داخل المؤسسة العسكرية، إلا أن تلك المحاولات اصطدمت برفض قوى مؤثرة، أبرزها قوى" الإطار التنسيقي"، التي اعتبرت في عام 2022 أن القانون يحمّل الدولة أعباء مالية كبيرة، ولا يتناسب مع الظروف الراهنة، وقد عملت تلك القوى على تعطيل مساره التشريعي.
وكان رئيس الوزراء محمد شياع السوداني قد وجّه، نهاية عام 2022، بسحب مشروع القانون من البرلمان وإعادته إلى مجلس الوزراء، ليجمّد الملف حتى إعادة طرحه حالياً ضمن معطيات سياسية وأمنية مختلفة.
خلل التوازن.
وإرث ما بعد 2003ومنذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وإلغاء نظام التجنيد الإلزامي، يواجه الجيش العراقي تحديات تتعلق بالتوازن في تركيبته، وسط اتهامات متكررة باعتماد معايير ذات طابع طائفي أو حزبي في بناء المؤسسة، ما أضعف من طابعها الوطني الشامل.
كما أسهمت هيمنة الأحزاب السياسية على مفاصل المؤسسة العسكرية في بناء هياكل ولاء غير متجانسة، انعكست سلباً على كفاءة الأداء، وهو ما برز بشكل واضح خلال اجتياح تنظيم" داعش" لعدد من المحافظات عام 2014، حيث ظهرت هشاشة بعض الوحدات العسكرية، مقابل صعود نفوذ الفصائل المسلحة.
سياسياً، رأى عضو التيار المدني علي الشمري أن إعادة طرح القانون تمثل" محاولة جدية لإعادة التوازن داخل المؤسسة العسكرية"، لكنه أشار في حديثه لـ" العربي الجديد" إلى أن تمريره" يظل معقداً، في ظل رفض قوى شيعية متنفذة ترى في القانون تهديداً مباشراً لنفوذها داخل الجيش".
وأضاف أن" هذه القوى بنت نفوذها داخل المؤسسة على أسس حزبية وطائفية طيلة السنوات التي أعقبت عام 2003، وبالتالي فإن أي قانون يعيد تشكيلها على أساس وطني مهني سيصطدم بمصالحها"، مؤكداً أن أي توافقات محتملة" لن تصمد طويلاً أمام عمق المصالح السياسية المتشابكة".
من جانبه، يؤكد خبير أمني أن إقرار قانون التجنيد الإلزامي من شأنه أن يشكّل نقطة تحول في إعادة بناء الجيش على أسس مهنية، عبر خلق مؤسسة عسكرية متوازنة ومحايدة، يكون فيها الولاء للدولة لا للأحزاب أو الجهات.
وأشار جعفر الفهداوي، وهو ضابط برتبة لواء في الجيش السابق، إلى أن" المؤسسة العسكرية عانت منذ 2003 من تعدد مراكز النفوذ وتضارب الولاءات، ما أثر على كفاءتها العملياتية"، معتبراً في حديثه لـ" العربي الجديد" أن" تطبيق التجنيد الإلزامي قد يسهم في ترسيخ الانضباط، وإعادة تشكيل الهوية الوطنية للجيش، إذا ما تم تنفيذه بعيداً عن المحاصصة السياسية".
ورغم الزخم الذي رافق إعادة طرح القانون، فإن مساره التشريعي يبدو محفوفاً بالتحديات، في ظل توازنات سياسية دقيقة، وتضارب مصالح بين قوى تسعى لإعادة بناء المؤسسة العسكرية، وأخرى ترى في ذلك تهديداً لنفوذها القائم، ما يجعل من ملف التجنيد الإلزامي اختباراً جديداً لقدرة النظام السياسي في العراق على إحداث إصلاحات بنيوية في قطاعه الأمني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك