نعم، قربَ مشهدها في الظلام،زوجا حمامٍ يطيران بينهما في الرخام،هو الثامنُ من نيسان/أبريل، اليوم في منتصف اليوم، على خيطٍ سماويٍّ يربطُ الشمس بالشمس، فالجنوبُ شمالاً، والقلبُ في الوسط، يصرخُ مع بيروت وهُي تشهدُ أنّها القابضة على ضوء النهار الربيعي، ويدها تنزفُ والخاصرة، خاصرتها: » كورنيش المزرعة حيث المجزرة»، والمجزرة حيث المزرعة تصيغ بالدم مشهد البطل المستمر في الصعود إلى الفجر.
على شاطئ البحر حيث الحكاية، تركتُ المكتب على عجلٍ بعد أن رأيت «الفيديو» البنايات تتساقط، والقصف يخرجُ كالنار من فم الذئب، اللسانُ من نار، والأرضُ تشتعل، وصلتُ إلى البيت، ولم أصل، لأنّ عقلي سقط من رأسي، رأسي الذي كاد ينفجر، أصوات تأتي وتذهب، والهواء يتلو نشرة الأخبار الأخيرة، نسيت تاريخ هذا اليوم، وأنا أقفز من وقتٍ إلى وقتٍ كي أصل إلى شكل هذا النهار المولود من جحيم النار، ما شكلُ هذا النهار؟ وما شكلُ بيروت اليوم؟ سألتُ، وجدتُ نفسي تبحثُ عن أجوبتها الضائعة، والخبر العاجل لم يكن خبراً عاجلاً تماماً، لأنّ مئة غارة سقطت في عشر دقائق فقط، وتركت وراءها أكثر من ثلاثمئة شهيد، وتكاد الشاشة لا تتسع لصورة بيروت الكاملة، المشاهد في مشهدٍ واحد، البناياتُ تهوي والدخانُ يدثرُ وجه المدينة ويقرأ عليها كلمات الرثاء الأخيرة، عشر دقائقٍ فقط، جعلت بيروت الكاملة في فم الوحش، الوحش الصهيوني الذي أدمن الشيطنة في بلاد الناس، هل يدرك هذا الوحش أن بيروت تجهل توحشهُ الدائم؟ بيروت التي دفعت دمها ثمناً للحرية، تدرك تماماً ما معنى التضحيات على درب القضاء على الوحش الصهيوني المتعطش لدمها الطاهر، عشر دقائقٍ فقط، تكفي كي تسقط سرديّة الوحش كاملة، وتنهض بيروت بسرديتها الحقيقية كاملة، كي تحمي بيروت بيروتها المقاومة، دون شروطٍ مسبقة، وتدرك بيروت تماماً سرّ جمالها البحري الساحر، أشاهد « الفيديو» وحيداً، تذكرتُ شارع الغارة الأخيرة، وأعرف تماماً هذا المكان الذي وقعت فيه المجزرة، هناك طلعت الرفاعي «كورنيش المزرعة تقاطع نزلة الكولا، عند الإشارة الحمراء المكسورة من جهة اليمين، عند وضوح الشمس بين الشرفات العتيقة، والثقوب في الجدران من رصاص اجتياح 82، واليوم الثامن من أبريل العام 2026، ليس التاريخ رصاصةً على جدار، بل، هيَ مئات المجازر في عشر دقائقٍ فقط، كالزلزال التاريخي الذي ضرب المدينة بصعقة موتٍ تساقط من السماء على رؤوس الأبرياء، موسيقى مع اللون الأحمر، وموسيقى بيروتية الهوى، رحبانيّة الروح.
كلانا يغني ويرفعُ شارة نصرٍ جديد،هنا في المخيم – سيناريو مختلف، حين أمشي في الشارع ويمشي النازحون أمامي في الإتجاه المعاكس، امرأة تخرج من سيارة التاكسي في يدها قطتها السوداء، تعانقها بحنان الأم، وتبدو نازحة من الضاحية الجنوبية، وقطتها النازحة معها إلى أمانٍ لا أمان فيه، وترتدي الأسود، بالأسود الذي يدثّرُها تماماً من القطة حتى العباءة وشالها الطائر في ريح أبريل المقبل، والسيارة التي كدتُ أن أصطدم بها، في شارع المدارس، وكُتبَ على زجاجها الخلفي: «مارون الراس»، فأدركتُ أن الأماكن تنزحُ مثلنا، فهي لا تتركُ سكّانها في مهبّ النزوح الجديد، هي لا تنسى العشب الأول، ولا تنسى أثر الشهداء على حجارتها المقدسة، تارةً تُكتب على الزجاج، وتارةً تبدو على الوجوه، وتارةً تخرجُ من أفواه الناس، وتارةً تمكثُ في اللغة، الأماكنُ لا تغادرُ سكّانها، وغالباً ما يتركونها تستقرُّ في دمهم، وفي جمرةِ الاشتياق والاحتراق، دائماً ما يكون الجنوب، في صورة الجنوبي الذي يشبه البطل الأسطوري، الذي لا يخرج من المعركة إلا رافعاً شارة النصر الجديد، الجنوبي حنطي الملامح، ترابي البشرة، يشبه الشمس وهي تخرج من شقوق الصخر الجبلي في ساعة الفجر الأولى.
لم يسألني أحدٌ: هل رأيت «الفيديو»؟ سأقولُ: نعم، رأيت مشهد النار وهي تخرجُ من فم الوحش كي تلتهم البشر والحجر، سقوط ست بنايات على رؤوس ساكنيها، وانقلاب المطعم رأساً على عقب، نعم، رأيتُ « الفيديو»، وأغلقتُ الهاتف، واكتفيتُ بأنّ بيروت الكاملة تحترق، ومشيتُ في الشارع وأمامي النازحون يسيرون في الإتجاه المعاكس، فتذكرتُ أنّنا في أبريل، فرحتُ أبحثُ عن قصيدتي المنسية:لن أكتبَ الشعرَ في الحرب الأخيرة كيلا أجرحَ البحرَ بالمعنى الذي نزحا،ظلّان للجرحِ ظلٌّ يشتهي قمراًظلٌّ يغنّي على الصبّارِ إن جُرحا،لن أقرأ المتنبّي أو المعرّي لكيلا أُخدشَ الحلمَ في الحرف الذي صَدحا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك