دقّ صندوق النقد الدولي ناقوس الخطر بقوة حيال مسار الدين العام المتفاقم في العالم، بعدما باتت المالية العامة في العالم تقف على أرض أكثر هشاشة من أي وقت مضى منذ عقود.
ومع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصعود كلفة الاقتراض، واستمرار التوترات الجيوسياسية، تبدو الموازنات العامة في كثير من الدول وكأنها تدخل مرحلة استنزاف طويلة.
ولم يعترض الصندوق على دعم الأسر والشركات ومساندتها وحماية الفئات الأكثر تضررا، لكنه شدد على أن يكون هذا الدعم مؤقتا وموجها بدقة، لأن التدابير العامة الواسعة، مثل دعم الوقود، تتحول بسرعة إلى عبء مكلف يصعب التراجع عنه لاحقا.
إذ أكد أن العالم يقترب من مستويات مديونية استثنائية.
ووفق أحدث أرقام المؤسسة المالية فقد بلغ الدين العام العالمي نحو 94% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، ويرى أنه مع غياب إجراءات تصحيحية قد يصل إلى 100% بحلول 2029، وهو مستوى لم يُسجل بهذا الحجم إلا بعد الحرب العالمية الثانية.
وعند النظر إلى توقعات العام 2031، تتضح ضخامة الخطر أكثر.
فحسب تقرير صندوق النقد فإن الولايات المتحدة مرشحة لبلوغ دين عام يعادل 142.
1% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تصل إيطاليا إلى 136.
1%، والصين إلى 126.
8%، وفرنسا إلى 120.
7%.
وعلى المستوى العالمي نفسه، تبلغ النسبة 102.
3%، ما يعني أن متوسط الدين العام في العالم سيتجاوز عتبة 100% من الناتج.
كما يُتوقع أن يبلغ الدين العام في البرازيل 106.
5%، وفي الهند 77.
7%، وفي ألمانيا 73.
7%.
وتعكس هذه الأرقام أن المشكلة لم تعد تخص دولة بعينها ولا مجموعة اقتصادية واحدة، بل تشمل الاقتصادات المتقدمة والناشئة معا، وإن اختلفت السرعة والحدة من بلد إلى آخر.
ولا تبدو الولايات المتحدة في هذه الصورة مجرد حالة رقمية مرتفعة، بل مصدر قلق عالمي بحد ذاته.
فصندوق النقد حذر من أن تزايد إصدارات الدين الأميركي قد يهدد المكانة التقليدية لسندات الخزانة الأميركية بوصفها ملاذاً آمناً، كما قد يدفع إلى ارتفاع أوسع في كلفة الاقتراض عبر العالم.
الصين بدورها تتجه إلى مسار صعودي حاد في الدين، ما يعكس أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم لم ينجح هو الآخر في إعادة التوازن إلى أوضاعه المالية.
والأمر نفسه ينسحب على فرنسا، بينما تبدو ألمانيا، رغم أنها أفضل نسبيا، بعيدة هي أيضا عن الصورة التقليدية التي كانت تجعلها المثال الأوروبي للانضباط المالي.
فبلوغها 73.
7% في 2031 يعني أنها ستبقى فوق السقف الأوروبي المرجعي البالغ 60% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يؤكد أن حتى الاقتصادات التي بدت أكثر تماسكا لم تعد بمنأى عن هذا المسار.
ولم يحمّل الصندوق الصدمات وحدها مسؤولية هذا التدهور، إذ يرى مدير إدارة الشؤون المالية العامة، رودريغو فالديس، في مدونة منشورة على موقع الصندوق، أن الحكومات أضاعت فرصة ثمينة عندما تحسن النشاط الاقتصادي.
والسنوات التي كان يفترض أن تُستغل لترميم الأوضاع المالية مرت من دون معالجة حقيقية، لتدخل الحكومات المرحلة الحالية بميزانيات أكثر ضعفا وأقل قدرة على امتصاص الصدمات.
ثم تأتي كلفة خدمة الدين لتضاعف الخطر، فبحسب صندوق النقد الدولي، ارتفعت كلفة فوائد الدين خلال أربع سنوات فقط من 2% إلى 3% من الناتج العالمي، لأن الحكومات باتت تعيد تمويل ديونها بأسعار فائدة أعلى.
مما يقلص قدرتها على الإنفاق المنتج، ويوسع الحلقة المفرغة بين الدين والعجز وكلفة التمويل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك