لا شيء يؤكد أن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة الأكثر حساسية في الشرق الأوسط قد وضعت أوزارها، أو أن تداعياتها الواسعة والعميقة قد ظهرت بالكامل.
فالمفاوضات الحثيثة الجارية خلف الكواليس وأمامها تشكل جزءًا أصيلًا من فصول الحرب، أرادت منها الولايات المتحدة أن تحقق على الطاولة ما عجزت آلتها الحربية عن تحقيقه في الميادين.
حتى الفصل الذي يتعلق بالحصار الأميركي لمضيق هرمز والموانئ الإيرانية لم يكن سوى إشارة واضحة على فشل استراتيجية استخدام القوة العسكرية الرهيبة في تحقيق أهداف سياسية، بسبب خلل كبير في التخطيط وتحديد الأهداف الممكن تحقيقها، ما يعكس خللًا أساسيًا في دقة المعلومات الاستخبارية.
وترجع مرجعية تلك الاختلالات إلى خلل جوهري، مصدره إسرائيل، التي، على ما يبدو، أوهمت الجانب الأميركي بأن الضربات الأولى واغتيال القيادات من شأنهما أن يؤديا إلى انهيار النظام الإيراني أو استسلامه خلال أيام محدودة.
وكان إسقاط النظام الإيراني أو استسلامه سيحل كل العقد، ويحقق جميع الأهداف المتعلقة بالبرنامجين النووي والصاروخي، والتهديد الأمني لدول الجوار، وأيضًا مضيق هرمز، وبالتالي السيطرة على النفط وممراته.
إلا أن النظام الإيراني لم يسقط، رغم ادعاءات الرئيس الأميركي بأن النظام قد تغير بعد التخلص ممن يتهمهم بأنهم الأشد تطرفًا، لصالح قيادات مرنة ومعتدلة.
وبالرغم من الادعاءات بنجاح الضربات القاتلة التي استهدفت البنية التحتية للبرنامج النووي، فإن هذا الملف لا يزال يشكل عنوانًا صعبًا أمام المفاوضات الجارية.
ولو كانت تلك الادعاءات صحيحة وواقعية، لكان تمّت إزالة هذا الملف من جدول أعمال المفاوضات.
وتبعًا لذلك، تشير التقارير الصادرة من واشنطن وتل أبيب، ويؤكدها الميدان، إلى أن الضربات لم تنجح في تدمير منصات الصواريخ، التي ظلت تنطلق، كما لم تنجح في تدمير الدفاعات الجوية الإيرانية.
وفشل الفصل المرتبط بالحصار المفروض على مضيق هرمز والموانئ الإيرانية، حيث تم اختراقه من قبل الصين، وحتى من قبل إيران، التي أعلنت أنها ستستهدف كل موانئ الخليج، فإما الأمن للجميع، وإما أن يكون الجميع عرضة للخطر.
وقد صمدت إيران على نحو لافت، كما صمد «حزب الله» في لبنان، واتضح أنه، رغم تعرضه لخسائر كبيرة وفادحة، أظهر امتلاكه قدرات لا يمكن إغفال فعاليتها، سواء ميدانيًا على الأرض أو عبر إطلاق عشرات الصواريخ والمسيّرات يوميًا على شمال ووسط إسرائيل.
وتحت ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وممارسته الابتزاز السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تراجع الأخير عن شرط كان قد وافق عليه، يقضي بأن يشمل وقف إطلاق النار لبنان.
وقد أوحى هذا التراجع لنتنياهو بأنه يحظى بغطاء أميركي لمواصلة حربه على لبنان، بهدف السيطرة على جنوبه حتى نهر الليطاني، وتهجير سكانه، وتدمير ما فيه.
وأراد نتنياهو أن تستمر حربه على لبنان تحت شعار نزع سلاح «حزب الله» وخوض مفاوضات مع الدولة اللبنانية تحت النار، كما حصل في قطاع غزة.
إلا أنه، وتحت ضغط المفاوضات وأطراف عدة في المنطقة، اضطر ترامب إلى التراجع مرة أخرى، واتخذ قرارًا بوقف الحرب على لبنان لمدة عشرة أيام، خلافًا لرغبة نتنياهو، الذي لا يستطيع معارضة القرار الأميركي، خشية الوقوع في عزلة دولية.
وربما يراهن نتنياهو على إمكانية تخريب الهدنة من خلال تعمد خرقها بأشكال مختلفة، لضمان رد فعل من «حزب الله»، كما حدث خلال الأشهر الماضية.
غير أن المعطيات لم تعد كما كانت سابقًا، إذ أعلن الحزب أنه سيرد على أي خرق إسرائيلي، دون أن يبادر إلى خرق الهدنة.
وسيجد نتنياهو نفسه في موقف معقد، إذ لا يستطيع التقدم أو التراجع، بعد أن فقد جزءًا من السيطرة على القرار لصالح ترامب، وتحت رقابة مشددة من الجانب الإيراني والوسطاء، تفاديًا لإفشال المفاوضات التي باتت خيارًا شبه وحيد أمام الإدارة الأميركية، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة.
ومع تكرار تبدل الأهداف، يجري التغطية على ذلك عبر روايات لم تعد تقنع الداخل الأميركي أو الإسرائيلي، بينما تتراجع تدريجيًا خطابات الحسم والانتصار.
وحتى ما طرحه نتنياهو لتبرير موافقته على وقف إطلاق النار، من سعيه لتحقيق سلام مع لبنان الرسمي، يواجه عقبات بنيوية، أبرزها التركيبة اللبنانية المعقدة، ورفض إسرائيل الانسحاب من المناطق التي احتلتها في الجنوب.
وفي انتظار ما ستسفر عنه جولات التفاوض التي تتوسط فيها باكستان، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية، تبدو الحرب مستمرة بأشكال مختلفة، ويصعب التفاؤل بقرب انتهائها، في ظل إصرار نتنياهو على مواصلة نهجه، الذي يراهن من خلاله على تحقيق مكاسب تاريخية له ولمشروعه السياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك