لفهم ما يصنعه فرانسوا أوزون في" الغريب" (2025)، لا بد من قراءة الفيلم داخل نمط راسخ يتكرر في مسيرته الطويلة.
هذا المخرج الذي درس في المعهد العالي للسينما الفرنسي وصنع اسمه عبر ثماني نساء وحمام السباحة، هو في جوهره مخرج يعيش في حوار دائم ومتوتر مع نصوص الآخرين.
أسلوبه تشكّل تحت تأثير الفوضى التخريبية لجون ووترز، والسريالية الإيروسية لبونويل، والنقد الاجتماعي المكثف لراينر فيرنر فاسبيندر، وهذا الأخير هو المرجع الأكثر حضوراً وحدةً في مسيرته.
اقتبسه مرتين: في قطرات ماء على صخور متقدة (2000) وفي بيتر فون كانت (2022).
في كلتا الحالتين كان السؤال واحداً: هل يكتفي أوزون بترجمة النص أم يعيد اختراعه؟ والجواب جاء في كلتيهما مقلقاً، لكن بدرجات متفاوتة.
أما في" الغريب"، فالجواب يحمل ثقلاً مختلفاً تماماً.
الأمانة كخيار جمالي وكسلاح ذو حدينالقصة في جوهرها بسيطة إلى حد الصدمة: ميرسو، موظف فرنسي يعيش في الجزائر المستعمَرة أواخر الثلاثينيات، يتلقى خبر وفاة والدته فيحضر جنازتها بلا أي انفعال يُذكر، ثم يعود إلى حياته اليومية وكأن شيئاً لم يحدث.
يبدأ علاقة مع ماري، يختلط بجاره ريمون، وفي لحظة مشبعة بالحر والضوء على الشاطئ يطلق النار على شاب عربي.
لا تفسير واضح، ولا دافع تقليدي، فقط لحظة عبثية تتضخم لاحقاً داخل قاعة المحكمة أكثر من الجريمة نفسها.
منذ اللقطة الأولى، يضع أوزون المتلقي داخل لعبة شكلية واعية.
يبدأ الفيلم بشعار شركة الإنتاج كما كان يظهر في أفلام الأربعينيات، في إشارة إلى وعي إخراجي عميق بالشكل والزمن.
هذا الاختيار لا يظل مجرد تحية شكلية، بل يمتد إلى بناء بصري كامل يعتمد الأبيض والأسود، حيث تتحول الصورة إلى مساحة قاسية تتضخم فيها الإضاءة إلى حد الإبهار.
صُوِّر الفيلم أساساً في المغرب، خاصة في مدينة طنجة، مع اعتماد نسبة عرض مربعة تستحضر الجزائر الاستعمارية بمسافة فنية متعمدة.
الضوء هنا ليس عنصراً جمالياً فقط، بل قوة سردية: الشمس التي يكرر ميرسو الإشارة إليها، وتنعكس على السكين قبل لحظة إطلاق النار، تصبح شبه ذريعة بصرية للفعل، أو على الأقل محاولة لتفسير ما لا يُفسَّر.
الإيقاع البطيء واللقطات الطويلة ليسا مجرد أسلوب، بل موقف فكري.
أوزون يرفض المونتاج السريع ويرفض الإغراء البصري، ويُجبر المشاهد على البقاء داخل اللحظة.
هذا ما يجعل المشاهد اليومية، السباحة والتشمّس ومشاهدة فيلم كوميدي في السينما، تبدو مفرطةً في عاديّتها إلى درجة الابتذال.
لكن هذه العادية بالذات هي ما يبني التوتر الحقيقي؛ فميرسو ليس شخصية استثنائية، بل شخص عادي إلى حد مقلق، وهو ما يجعل الجريمة لاحقاً أكثر إرباكاً ودهشة.
" الغريب" (2025)، من إخراج فرانسوا أوزون، وبطولة بنيامان فواسان، ريبيكا ماردر، بيير لوتان، سوان أرلو، ودوني لافان، عُرض للمرة الأولى ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي 2025، حيث نافس على جائزة الأسد الذهبي.
جسد بلا روح وعن سابق إصرارالممثل بنيامان فوازان يلتزم بهذه الرؤية بدقة شديدة.
لا يحاول تفسير الشخصية أو تبريرها، بل يقدّمها ككتلة صامتة من اللامبالاة: الوجه كقناع، الجسد كآلة، العين كزجاج.
صوته شبه غائب، انفعالاته محدودة، وحتى حين يتحدث تبدو كلماته منفصلة عن أي إحساس حقيقي.
هذا الخيار التمثيلي يضع المشاهد في موقع غير مريح؛ لا يمكن التعاطف مع ميرسو، لكن لا يمكن أيضاً فهمه بسهولة.
وعندما ينفجر في المشهد الأخير، لا يبدو التحول درامياً بالمعنى التقليدي، بل أقرب إلى انكشاف فجائي لما كان كامناً طوال الوقت.
في المقابل، تقدم ريبيكا ماردر شخصية ماري بطاقة مختلفة تماماً.
حضورها الجسدي والعاطفي واضح، لكنها محاطة بعمى اختياري تجاه حقيقة ميرسو.
العلاقة بينهما لا تُبنى على عمق نفسي، بل على تواطؤ صامت، وكأن الفيلم يشير إلى أن اللامبالاة ليست حالة فردية بالكامل، بل يمكن أن تكون مرضاً مشتركاً.
أما بيير لوتان فيجسّد ريمون بوصفه نقيضاً ظاهرياً لميرسو: عنيف وصاخب ومباشر.
غير أن هذا التناقض يخفي تشابهاً أعمق؛ فكلاهما يمارس العنف وإن بأشكال مختلفة.
أحد أهم القرارات الإخراجية في الفيلم هو تعامله مع الشخصيات العربية.
في نص كامو الأصلي، يبقى الضحية بلا اسم، مجرد" العربي"، شخصية تُقتل دون أن يمنحها الراوي أي هوية إنسانية.
أوزون هنا يتخذ موقفاً مغايراً: يمنح الضحية اسماً وهوية، هو موسى، ويوسّع حضور شقيقته جميلة ويمنحها صوتاً داخل السرد، خصوصاً في ما يتعلق بالمحاكمة والظلم العرقي.
هذا التعديل لا يغير فقط زاوية الرؤية، بل يعيد توجيه السؤال الأخلاقي بالكامل: هل الجريمة عبثية فعلاً كما أراد كامو، أم أنها نتاج بنية استعمارية منظمة تسمح بهذا النوع من اللامبالاة وتُشرّعه؟مشاهد المحاكمة تكشف هذا التوتر بوضوح مؤلم.
المحاكمة لا تركز على الجريمة بقدر ما تركز على شخصية ميرسو: عدم بكائه في جنازة والدته، علاقته بماري، سلوكه" غير الطبيعي" اجتماعياً.
كأن النظام القضائي نفسه يبحث عن معنى أخلاقي مفقود أكثر من بحثه عن حقيقة قانونية.
ورفض ميرسو تقديم أي تبرير، لا ادعاء بالدفاع عن النفس، لا إظهار الحزن، لا ندم، يجعله مداناً مرتين: مرة بالفعل، ومرة برفضه اللعبةَ الاجتماعية المتوقعة.
المقارنة مع بيتر فون كانت: درس في التحرر من الأصلالنقطة الأكثر إثارة في تحليل" الغريب" هي المفارقة الصارخة بين معالجتَي أوزون لفاسبيندر ولكامو.
في بيتر فون كانت، رغم أن الهيكل الأساسي للأصل حاضر وبعض الحوار محفوظ حرفياً، فإن التعديلات الحرة والأداء التمثيلي حوّلا العمل إلى فرجة بهيجة أكثر فكاهةً وتأثيراً عاطفياً من المصدر الأصلي.
أوزون أدخل لعبه الخاص ودفءه وفكاهته السوداء، وانتزع النص من حصنه الأدبي ليُعيد اختراعه بحرية كاملة.
بمعنى آخر: وجد في فاسبيندر حواراً وجدلاً خصيباً، فيما وجد في كامو جداراً أملساً لا يجد فيه ما يتمسك به.
ومن السمات الراسخة في مسيرة أوزون استكشاف التحول والولادة من جديد في شخصياته، وبخاصة النساء.
لكن مورسو بطبيعته مضاد لأي تحوّل حقيقي، وهذا المأزق البنيوي هو ما يُضيّق هامش المخرج ويقيّد حريته.
كامو يرفض اللعب، ومورسو لا يقبل التدجين السينمائي.
أفلام أوزون الأخيرة تعود إلى افتتانه بالجريمة وألغازها: في الجريمة لي (2023) نجمة شابة تحقق الشهرة بعد البراءة من تهمة قتل، وفي حين يأتي الخريف (2024) امرأة تتساءل إن كانت قدّمت لابنتها الفطر السام عن قصد أم بالخطأ.
ضمن هذا السياق، يمثّل" الغريب" خروجاً من أوزون الاستفزازي الصاخب نحو أوزون التأملي الصامت.
وهو خروج لافت ومدروس، لكنه يطرح سؤالاً لا مفر منه: هل هذا نضج فني حقيقي، أم تراجع مقنَّع باسم الأمانة للنص الأصلي؟الفيلم يحتفظ في لحظات معينة بنص كامو حرفياً، خصوصاً في الصوت الداخلي لميرسو، لكنه يستخدمه بحذر شديد دون إفراط.
هذا الاقتصاد في السرد الصوتي يعزّز حضور الصورة ويجعل كل كلمة محسوبة.
حتى الاختيارات الموسيقية التي تستحضر في نهاية الفيلم الروح الأصلية للرواية، لا تأتي كإشارة ساخرة أو تحية مسرحية، بل كامتداد هادئ لفكرة أن هذا النص لا يزال حياً وقابلاً لإعادة القراءة في كل زمن.
الجرح الذي لا يُضمَد: الاستعمار وصمت الكاميراهنا يقع الفيلم في أعمق إشكالياته وأكثرها إيلاماً.
أوزون أكد في أكثر من مناسبة أن موضوعات الرواية الجوهرية، العبثية والاغتراب والظلم الاستعماري — لا تزال تحمل أهمية معاصرة بالغة.
لكن الإقرار بوجود المشكلة ليس حلاً لها، والتصريح بالظلم لا يكفي وحده لتجاوزه.
الرواية كتبها أوروبي في الجزائر المستعمَرة، وضحيتها الرئيسية، العربي المقتول على الشاطئ، لا اسم له ولا صوت في الأصل.
أوزون يأتي إلى هذا العمل عام 2025 في عالم مختلف جذرياً عن عالم كامو عام 1942، ويمنح الضحية اسماً وأخته صوتاً، وهي خطوة لا يمكن الاستهانة بها.
لكن السؤال الأعمق يبقى مطروحاً بلا إجابة شافية: هل استطاعت الكاميرا أن تتحرر من منظور ميرسو؟ هل تجاوز الفيلم حدود النص الذي يقتبسه، أم أن الجزائر بقيت في نهاية المطاف ديكوراً وظيفياً لا صوتاً إنسانياً مستقلاً؟على مستوى أعمق، يمكن قراءة" الغريب" كفيلم يتقاطع مع سينما الرعب، لكن ليس بمعناها التقليدي.
الرعب هنا ينبع من الفراغ، من غياب المعنى، من شخصية لا يمكن اختراقها أو فهم دوافعها.
وكلما تقدّم الفيلم، يتحول هذا الفراغ إلى ما يشبه الهاوية: حيث لا تعود الجريمة هي المركز، بل الإحساس الزاحف بأن العالم نفسه بلا منطق واضح ولا عدالة مرئية.
" الغريب" لأوزون فيلم يصعب كرهه لأنه مصنوع ببراعة وعناية، وصعب حبّه بالكامل لأنه لا يُضيف شيئاً جوهرياً لمن قرأ كامو أو عاش في هذا العالم المثقل بإرثه الاستعماري.
أوزون نفسه اعترف بأن تحويل الرواية إلى فيلم يُنظر إليه عادةً باعتباره" خيانة" — وقد اختار تجنب هذه الخيانة بكل ما أوتي من حرص.
لكن ثمة خيانة من نوع آخر أشد وطأة: خيانة الجمال لصالح الأمانة، وخيانة الحاضر لصالح الماضي.
المخرج الذي أثار ضجة في حمام السباحة وثماني نساء بعنفه الرمزي وتجريبه الحسّي وجرأته في تحريك الثوابت، يبدو هنا وكأنه يسير بحذر مُجهِد حول جثة مقدسة، خائفاً أن يلمسها.
والنتيجة فيلم يشبه تماثيل الشمع تماماً: مثيرة للإعجاب في دقتها وتفاصيلها، وباردة في لمستها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك