عاد القمر إلى واجهة الاهتمام العالمي، مع إعلان التقدم في مهمة" أرتيميس 2"، التي تُعدّ امتدادًا لمسار استكشاف الفضاء بعد نحو خمسين عامًا على أول هبوط بشري ضمن مهمة" أبولو 11".
وبينما يُستعاد هذا الحدث علميًا، يفتح الباب مجددًا أمام قراءة حضور القمر في الفنون التشكيلية عبر التاريخ.
في هذا السياق، يشير الكاتب أنس الأسعد، في حديثه للعربي 2، إلى أن" صورة القمر لم ترتبط بحالة واحدة عند التشكيليين"، موضحًا أن تفكيك هالته الرمزية" لم يكن بالأمر السهل، نظرًا لجذوره المقدسة في بعض الديانات والفنون المرتبطة بها".
ويضيف الأسعد أن التحوّل من الصورة المثالية إلى تمثيلات أكثر تعقيدًا" تطلّب وقتًا طويلًا، وجاء بالتوازي مع تطوّر فهم الإنسان للوجود، خصوصًا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين".
من الرومانسية إلى التعبيريةويستعرض الأسعد تحوّلات تمثيل القمر في المدارس الفنية، لافتًا إلى أن المدرسة الرومانسية، مع فنانين مثل كاسبار دافيد فريدريش وويليام تيرنر، سعت إلى" فهم الحالة النفسية للإنسان من خلال الطبيعة"، حيث لعب الضوء، وخاصة ضوء القمر، دورًا مركزيًا.
ويقول: " يمكن تشبيه الضوء، إذا استعرنا المصطلحات الصوفية، بلحظة كشف عند التشكيليين، خصوصًا في التيار الرومانسي"، مضيفًا أن هذه المقاربة مهّدت لظهور مدارس لاحقة.
أما في التعبيرية، فيرى الأسعد أن أعمال فينسنت فان غوخ، خصوصًا لوحة" ليلة النجوم"، تمثل" أكبر انزياح عن الصورة المثالية للقمر"، إذ تعكس تعقيدات الحالة النفسية للفنان، وتُظهر القمر" كعنصر نابض بالحركة، لا يُدرك بالعين فقط بل يُحسّ بالقلب".
وفي انتقاله إلى السريالية، يوضح الأسعد أن هذا التيار استفاد من نظريات التحليل النفسي ومركزية الأحلام، مضيفًا أن" وصول الإنسان إلى القمر أسهم في نزع هالته السحرية"، ليصبح عنصرًا عاديًا داخل تكوينات غرائبية.
ويتابع: " اختفت حساسية الضوء لصالح توليد الأشكال الجديدة وغرائبيتها، كما يظهر في أعمال سلفادور دالي ورينيه ماغريت وخوان ميرو".
ومع فن البوب آرت، تغيّرت مقاربة القمر مجددًا، إذ تحوّل إلى مادة بصرية مرتبطة بالحدث الإعلامي.
وفي هذا الإطار، يبرز اسم الفنان الأميركي روبرت راوشنبرغ، الذي وثّق لحظة الهبوط على القمر عبر أعمال مطبوعة، جعلت من القمر" صورة أيقونية متداولة"، وفق تعبير الأسعد.
وعن موقع القمر في الفن العربي، يوضح الأسعد أنه" حضر على مستويات متعددة، من الفولكلوري إلى الحداثي"، مشيرًا إلى أعمال فنانين مثل جواد سليم وفوزي بعلبكي، حيث يظهر القمر برمزية ثقافية وروحية.
في المقابل، يلفت إلى بروز اتجاهات معاصرة تعكس واقع الأزمات، قائلاً إن بعض الفنانين" نزعوا السحر عن القمر، ليغدو جرمًا قاتمًا يعكس حالة التدمير والقلق"، في إشارة إلى تأثير الحروب والتحولات الراهنة على الإنتاج الفني.
وبين التحولات العلمية والقراءات الفنية، يبقى القمر، بحسب الأسعد، موضوعًا مفتوحًا يعكس تطوّر نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى الكون، متجاوزًا حضوره كجسم فلكي إلى فضاء أوسع من الدلالات الثقافية والجمالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك