في لحظة ما من التاريخ، لا يعود السؤال: من انتصر؟ بل يصبح السؤال الأكثر قسوة: من بقي ليروي؟في السودان، حيث تتقاطع أصوات الرصاص مع صمت المدن، لم تعد الحرب مجرد خبر عاجل على الشاشات، ولا مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية.
لقد تحولت هناك إلى حياة كاملة تعاش قسرا، وتفقد فيها التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع معنى" الإنسان".
أنا لا أكتب من موقع المراقب البارد، ولا من برج الصحافة العاجي، بل أكتب من تلك المسافة التي تفصل بين الرواية والسلاح.
تلك المسافة التي تختفي فيها الحقيقة تدريجيا، حتى تصبح شيئا يشبه الذاكرة: غير مكتملة، مهزوزة، ومثقلة بالفقد.
في السودان، تتعدد السرديات إلى حد يجعل الحقيقة نفسها تبدو كأنها ضحية تبحث عن جواز مرور بين الجبهاتحين تصبح الرواية ساحة أخرى للحربفي كل حرب، لا يطلق الرصاص فقط في الشوارع، بل يطلق أيضا في السرد.
كل طرف يحمل روايته، وكل رواية تحاول أن تقتل الأخرى.
لكن ما لا يقال عادة، أن أخطر ما في الحرب ليس الدمار المادي فقط، بل إعادة تشكيل الحقيقة.
فالناس لا يموتون فقط، بل تعاد صياغة حكاياتهم بعد الموت، وتختصر حياتهم في جملة سياسية أو عنوان إخباري سريع.
في السودان، تتعدد السرديات إلى حد يجعل الحقيقة نفسها تبدو كأنها ضحية تبحث عن جواز مرور بين الجبهات.
الوجوه التي لا تصل إلى الأخبارهناك وجوه لا تظهر في نشرات المساء: أطفال فقدوا مدارسهم قبل أن يفهموا معنى الانتماء، أمهات يعددن أسماء الغائبين كما لو كن يعددن الأيام،وشباب وجدوا أنفسهم فجأة في قلب حرب لم يختاروها.
تلك الوجوه ليست مادة إعلامية سهلة، لأنها لا تختصر في صورة أو تصريح.
هي وجوه تحمل تفاصيل أكثر من قدرة العالم على الاستيعاب، ولذلك تهمل غالبا.
لا لأنها غير مهمة، بل لأنها مؤلمة أكثر من اللازم.
هناك نوع من الفقد لا يكتب في الأخبار، فقد لا يعلن في بيان رسمي، ولا يحصى في تقاريرحين يصبح الوطن سؤالا بلا إجابةفي لحظة الحرب، لا يعود الوطن فكرة مستقرة، بل يتحول إلى سؤال يومي: أين هو الآن؟ ومن يملكه؟ وهل يمكن أن يعود كما كان؟الخرائط لم تعد صالحة للاستخدام كما كانت، والحدود تصبح خطوطا متحركة داخل الحياة نفسها، لا على الورق فقط.
وفي خضم ذلك، يصبح الإنسان عالقا بين روايتين: رواية تقول له إنه يحارب من أجل البقاء، وأخرى تقول له إنه يخسر نفسه في الطريق.
هناك نوع من الفقد لا يكتب في الأخبار، فقد لا يُعلن في بيان رسمي، ولا يحصى في تقارير.
فقد الأب، والأخ، والبيت، والجيران… وحتى النسخة القديمة من الذات.
أنا شخصيا لم تسلم عائلتي من هذه الحرب، كما لم أسلم أنا منها.
لم يعد الفقد حدثا منفصلا، بل أصبح حالة مستمرة، كأن الحياة نفسها تتآكل ببطء، دون ضجيج كاف ليوقظ العالم.
الحروب لا تنتهي عند توقيع اتفاق أو توقف إطلاق النار، بل تنتهي عندما يتوقف الداخل عن الانفجار، وعندما يعود الإنسان قادرا على النظر إلى ذاكرته دون أن ينكسرالصحافة بين الشهادة والانحياز الإنسانيالصحافة في زمن الحرب ليست مجرد نقل خبر، بل محاولة يائسة للتمسك بشيء من الحقيقة وسط فوضى منظمة من التضليل والانفعال.
لكن السؤال الأصعب: هل يمكن للصحفي أن يبقى محايدا حين يرى الإنسان يمحى أمامه؟ربما تصبح" الموضوعية" أحيانا شكلا من أشكال الصمت غير العادل، وربما يكون الانحياز الوحيد المقبول هو الانحياز للإنسان.
حين تنتهي الحرب.
هل تنتهي؟الحروب لا تنتهي عند توقيع اتفاق أو توقف إطلاق النار، بل تنتهي عندما يتوقف الداخل عن الانفجار، وعندما يعود الإنسان قادرا على النظر إلى ذاكرته دون أن ينكسر.
لكن في كثير من الحالات، تبقى الحرب حية بعد انتهائها الرسمي، في تفاصيل الحياة اليومية: في الخوف، في الفقد، وفي الأسئلة التي لا تجد إجابات.
لا ينتصر السلاح دائما، ولا تنتصر الرواية دائما، لكن الإنسان.
هو من يدفع الثمن دائمابين الرصاصة والكلمة، هناك معركة أخرى لا ترى، معركة من يملك حق رواية ما حدث.
لكن الحقيقة، رغم كل شيء، لا تموت بالكامل؛ قد تدفن، قد تشوه، قد تؤجل.
لكنها تبقى، تنتظر من يجرؤ على قولها كما هي، دون تزيين، ودون خوف.
في النهاية، لا ينتصر السلاح دائما، ولا تنتصر الرواية دائما، لكن الإنسان.
هو من يدفع الثمن دائما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك