في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي داخل الولايات المتحدة وتزايد الشعور بعدم اليقين، تتسع ظاهرة لافتة تتمثل في إقبال متزايد من الأميركيين على الحصول على جنسيات ثانية أو إقامات دائمة في الخارج، في ما بات يُعرف بـ" خطة بديلة" لمواجهة المستقبل.
فبحسب تقرير نشرته فاينانشال تايمز الأربعاء، استناداً إلى بيانات شركات استشارات الهجرة والجنسية مثل" آرون كابيتال" (Arton Capital) ومجموعة" لاتيتيود" (Latitude Group)، فقد شهدت طلبات الأميركيين على برامج الجنسية والإقامة عبر الاستثمار ارتفاعاً حاداً منذ بداية العقد الحالي، وتسارعت وتيرتها بشكل خاص بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 2025.
وتشير بيانات" آرون" إلى ارتفاع عدد العملاء الأميركيين لديها بنسبة تقارب 400% في الأشهر الأولى من 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما تفيد" لاتيتيود" بأن الطلبات الأميركية على الجنسية أو الإقامة الثانية ارتفعت بنحو 1000% منذ عام 2020، بعد جائحة كورونا وما رافقها من اضطرابات اقتصادية وسياسية.
ورغم غياب إحصاءات حكومية رسمية دقيقة، تؤكد تقديرات القطاع أن الأميركيين باتوا يشكلون نسبة متزايدة من إجمالي الطلبات العالمية على" الجنسية الثانية"، وهو ما يعكس تحولاً أوسع من مفهوم السفر أو الاستثمار إلى مفهوم" الأمان السياسي والوجودي".
في السابق، كانت برامج" الجنسية عبر الاستثمار" حكراً على المليارديرات وأصحاب الثروات الكبيرة.
لكن هذه الصورة تغيّرت تدريجياً، إذ باتت تستقطب اليوم مهنيين وموظفين وناشطين سياسيين يبحثون عن بديل احترازي في حال تدهور الأوضاع داخل الولايات المتحدة.
وتقوم هذه البرامج، المعروفة بـ" التأشيرات الذهبية"، على منح إقامة أو جنسية مقابل استثمار مالي في العقارات أو السندات أو صناديق التنمية.
وتوفر دول مثل البرتغال واليونان إمكانية الإقامة داخل الاتحاد الأوروبي، فيما تمنح برامج الكاريبي ومالطا الجنسية الكاملة خلال فترة قصيرة نسبياً.
دوافع سياسية واجتماعية وضريبية وراء طلب جنسيات أجنبيةيشير التقرير إلى أن أحد أبرز محركات هذا الاتجاه هو المناخ السياسي في الولايات المتحدة بعد عودة ترامب، خصوصاً مع تشديد السياسات المتعلقة بالهجرة وحقوق الأقليات وبعض الحريات المدنية.
ويرى مستشارون في قطاع الهجرة أن فئات متعددة وناشطين سياسيين، باتوا يشعرون بقلق متزايد تجاه مستقبلهم داخل الولايات المتحدة، ما دفعهم إلى التفكير في" خيار بديل" هو عبارة عن جنسيات أُخرى خارج البلاد.
كما ساهمت عوامل إضافية، مثل ارتفاع معدلات العنف المسلح وتزايد الكوارث الطبيعية والاحتقان الاجتماعي، في تعزيز فكرة أن الاستقرار داخل الولايات المتحدة لم يعد مضموناً كما كان في السابق.
إلى جانب العوامل السياسية، يلعب النظام الضريبي الأميركي دوراً مهماً في هذا الاتجاه، إذ تعتمد الولايات المتحدة نظاماً فريداً يقوم على فرض الضرائب على المواطنين بغض النظر عن مكان إقامتهم.
وهذا الواقع يدفع بعض الأميركيين، خصوصاً أصحاب الثروات العالية، إلى البحث عن بدائل قانونية تقلل من التزاماتهم أو تمنحهم مرونة أكبر، بما في ذلك الحصول على جنسية ثانية أو حتى التخلي عن الجنسية الأميركية في حالات نادرة.
خطة بديلة لا تعني هجرة فوريةورغم الارتفاع الكبير في الطلبات، يؤكد التقرير أن الغالبية العظمى من المتقدمين لا ينوون مغادرة الولايات المتحدة بشكل فوري، بل يسعون إلى امتلاك" شبكة أمان" فقط.
فامتلاك جواز سفر ثانٍ لم يعد بالضرورة خطوة للهجرة، بل أصبح وسيلة لإدارة المخاطر في عالم سياسي واقتصادي أكثر تقلباً، حيث تتحول الجنسية إلى أداة تنقل ومرونة بدل أن تكون مجرد هوية وطنية.
وتكشف هذه الظاهرة عن تحول أعمق في نظرة الأميركيين إلى مستقبلهم، حيث لم تعد الحدود الوطنية وحدها كافية لتأمين الاستقرار الشخصي أو الاقتصادي.
وفي ظل الاستقطاب الداخلي وتزايد القلق السياسي، يبدو أن" الجنسية الثانية" تتحول تدريجياً من خيار استثنائي إلى استراتيجية فردية لإدارة عدم اليقين في زمن مضطرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك